ذ.سعيد رحم
تمنح المدن الصغيرة مداخل تحليلية مهمة لفهم ديناميات المشهد السياسي الكلي، إذ تشكل هذه المجالات الهامشية، التي يتم تجاهلها عادة، نماذج ميكرو سياسية تعكس بجلاء كيف تتحرك شبكات المصالح المحلية وعلاقتها بالماكرو سياسة التي يدبرها الكبار في الرباط… وتأتي مدينة تيزنيت اليوم لتكون عينة مثالية لهذا التحليل الميكرو سياسي، في لحظة المشاورات الوطنية حول التموقع الحكومي والتشكيلة الحكومية، وهي اللحظة التي تكشف حجم الارتباك لدى العشرات من اعضاء التجمع الوطني للأحرار بتيزنيت و الذين ارتبطت مصالحهم الشخصية بوجود الحزب في الحكومة وبشخص أخنوش المنحدر من تيزنيت (ستلاحظون مؤخرا طقوس تقديم الشكر لعزيز اخنوش التي انطلقت من تيزنيت!) .
على مستوى التحليل الميكرو سياسي، لا يقرأ الانتماء الحزبي الى التجمع الوطني للأحرار في مدينة صغيرة مثل تيزنيت وسوسا عموما بتعقيدات الأيديولوجيا، بل بالتحالفات المصلحية المباشرة والفرص التي تمنح للأعضاء من امتيازات وعروض مغرية.. لقد شكل التواجد الحكومي للأحرار مظلة حمائية وفرت لشبكة محلية في تيزنيت—تضم عشرات الفاعلين الاقتصاديين والأعيان والمسؤولين الكبار والموظفين الصغار وأعضاء الجمعيات والتعاونيات—فرصة النفاذ السريع إلى الامتيازات والترقي الاجتماعي.
هذه العشرات من الفاعلين لم تبن علاقتها بالتجمع الوطني للأحرار بعقيدة سياسية متينة أو نضال حزبي مؤطر، بل على “زواج متعة” بين النفوذ السياسي المباشر والريع الاقتصادي وما يمنحه الانتماء الحزبي من امتيازات. وبذلك، أصبحت هذه القواعد الميكرو-سياسية مرتهنة كليا بالوجود في الحكومة، واعتبرت التواجد الحكومي مجرد آلية مستمرة لإعادة إنتاج الامتيازات وضمان استدامة المصالح الشخصية.
يقودنا التحليل الميكرو سياسي لسيناريو انتقال التجمع الوطني للأحرار إلى المعارضة أو على الاقل فقدانه للحقائب الحكومية المؤثرة إلى التنبؤ بنتيجة حتمية، وهي الانهيار الهيكلي والتشتت الكامل لهذه القاعدة الحزبية.
غير أن هذا السيناريو لا يتحرك في فراغ، بل يتقاطع مع ديناميات على الصعيد الوطني، إذ تبرز فرضية إضعاف التجمع الوطنيةللأحرار وتفكيك مشروعه الانتخابي الذي بناه على مدى عقد من الزمن كاستراتيجية حاضرة لدى منافسيه، وتحديدا حزب الأصالة والمعاصرة الذي يتقاسم معه الحاضنة الاجتماعية نفسها في العالم القروي والمدن الصغرى. وتستند هذه الفرضية—التي يتردد صداها في كواليس المفاوضات الحكومية الجارية—إلى تحجيم دور التجمع عبر تجريده من الحقائب المالية والفلاحية ذات التأثير المباشر، وهي الموارد الحيوية التي شكلت الأساس لربط الأعيان والفاعلين المحليين بالحزب، ومثلت خزانه الانتخابي الرئيسي في استحقاقات 2021.. إن سلب هذه الأدوات التنفيذية كفيل بإحداث حالة من الإرباك والتفكك التنظيمي، والتي ستتفاقم آثارها بشكل ملموس مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية الجماعية المقبلة.
إن خروج الحزب من دائرة صنع القرار التنفيذي يعني بالضرورة جفاف منابع الريع التي كانت تغذي هذه الشبكة. وأمام هذا الواقع الجديد، سينكشف زيف التماسك الحزبي، وسيتجه هؤلاء العشرات الذين ربطوا مصيرهم بمصالح شخصية إلى سلك خيارين لا ثالث لهما:
1. موجةاستقالات متتالية: سيعمد أغلب هؤلاء الأعضاء إلى التحلل السريع من الالتزام الحزبي، إما عبر تقديم استقالات علنية أو تجميد العضوية، لتفادي الكلفة السياسية للمعارضة والتي لاتطعم شبكة المصالح من جوع ولا تأمنها من خوف..و موجة الاستقالات بدأت منذ الحملة الانتخابية الأخيرة.
2. الرحيل إلى التشكيلات الحزبية البديلة: ستتشتت هذه القاعدة وتتوزع على الأحزاب القادمة إلى الحكومة (خصوصا البام والاستقلال)، بحثا عن مظلة حكومية جديدة تضمن استمرار مصالحهم وتعيد فتح ممرات آمنة نحو الريع والامتيازات.
تظهر المعطيات الميكرو سياسية أن الفاعلين المستفيدين من ريع المواقع لا يمتلكون النفس السياسي ولا الأدوات الكفيلة بممارسة فعل السياسة من موقع المعارضة ولا حتى من مواقع حقائب وزارية غير وازنة..
وبمجرد رفع الغطاء الحكومي، ستصبح هذه الفئة مجردة من أدوات التأثير..ولن يتبقى من التواجد الحزبي المتضخم سوى هيكل مفرغ من قواعده الانتخابية والمصلحية التي سرعان ما ستنفض من حوله بمجرد انقطاع شريان الامتيازات.
إن حالة تيزنيت تقدم درسا ميكرو سياسيا بليغا، فالتنظيمات الحزبية التي تُبنى على منطق الغنيمة و الريع لا تملك مقومات الصمود الذاتي، ومصير قواعدها المصلحية هو التشتت والزوال بمجرد انتقال الحزب من مربع الحكومة إلى دكة المعارضة أو بمجرد فقدان حقائب وزارية وازنة.
ختاما، إن المقاربة الميكرو سياسية لحالة تيزنيت وعموم مدن جهة سوس خلال فترة رئاسة أخنوش للحكومة تُفضي إلى حقيقة جلية..إننا أمام شبكة مصالح محلية تمتد من الفلاحة الى الجامعة ، ومن المقاولة الى التعاونية، وتحتضن المقاول والاستاذ الجامعي والفاعل الجمعوي والموظف وشيدت دعائمها على ريع صناديق الدعم، والمال العام، والمؤسسات العمومية والمهرجانات ، والصفقات، والتسابق نحو الامتيازات الشخصية وصولا إلى التكالب على المناصب ومسالك الماستر والدكتوراه..
لقد تجرعت منطقة سوس مرارة ممارسات هذه الشبكة في عشرية أخيرة ممهورة بتغول الريع وتضارب المصالح.. واليوم، مع انقشاع الغطاء الحكومي ورحيل أخنوش، تقف هذه البنية النفعية على شفا التحلل والتفكك الذاتي لتبدأ مرحلة أُفولها المحتوم..
نعم “دوام الحال من المحال”، غير أن التكاليف الباهظة لفساد هذه الشبكة ستستمر تبعاتها وآثارها لسنوات قادمة..



تعليقات