الحسين كافو – تيزبريس
عاش دوار “قصبة أعروص” التابع للجماعة الترابية المعدر الكبير بإقليم تيزنيت، اليوم الأحد 26 يوليوز، على إيقاع احتفالية إيمانية واجتماعية استثنائية، تمثلت في تنظيم الملتقى السنوي الاجتماعي “المْعروفْ الْوالِدَيْن”؛ وهو الموعد الذي ينتظره أبناء الدوار بشغف كبير لتجديد أواصر المحبة، وصلة الرحم، والترحم على أرواح الآباء والأجداد الذين تركوا إرثاً متيناً من القيم والأخلاق الفاضلة.
أجواء من الوفاء وصلة الرحم
منذ ساعات الصباح الأولى، تقافزت مشاعر البهجة بين أزقة “قصبة أعروص” مع توافد أبناء المنطقة و المداشر المجاورة، حيث التقت الأجيال في مشهد يجسد أبهى صور التكافل الاجتماعي والتضامن الإنساني. ولم يكن هذا اللقاء مجرد مناسبة عابرة، بل محطة روحية فارقة للتضرع إلى الله عز وجل بالرحمة والمغفرة لمن رحلوا من الأجداد والآباء .
برنامج غني بالتلاوات والمتون العلمية
شهد الحفل الديني، الذي حضره محمد الصالحي رئيس المجلس العلمي المحلي لتيزنيت ،تنوعاً كبيراً في فقراته التي امتدت طوال اليوم، حيث أبدعت الطلاب و الطالبات في رفع القراءات والتلاوات الفردية والجماعية بأصوات ندية شجية، أثرت في قريحة الحاضرين ،من بينهن ومن بينهم: خديجة بورحيم، سارة أخصاصي، عبد الله الرايس، حنان ألموح، عبد الله القاس، نعيمة أيت بلال، عمر سهيل، صفا كري، ياسين أيت بلال، مريم الشرقي، مروان ألموح، يونس حوام، أيوب أيت مولاي، عمران أيت مولاي، ومريم سموك.
كما عرف الحفل مشاركة مميزة لكُتّاب مسجد “عمر بن الخطاب”، وقراءة جماعية لكُتّاب مسجد “تبوزار”، إلى جانب سرد واستظهار المتون العلمية والفقهية واللغوية؛ مثل الجززية، متن ابن عاشر، الأربعين النووية، البيقونية، صفات الباري، نسب الرسول، برج الخفاء، الهمزية، والأجرومية، متوجة بالتذكير بثوابت المملكة وقواعد الإسلام.
وقد أُلقيت خلال هذا المحفل المبارك كلمة جامعة لكل من إمام المسجد الشيخ سيدي الحاج علي أخصاصي، ورئيس المجلس العلمي المحلي، وجّها فيها عبارات الشكر والامتنان لكل من ساهم من قريب أو بعيد في إنجاح هذا المشروع القرآني المبارك.
اللوح التقليدي وركوب الخيل: احتفاءٌ بهيج بالتلميذة “خديجة بورحيم”
وكانت اللحظة الأبرز في برنامج هذا اليوم الإيماني هي احتفاء الحاضرين بختم القرآن الكريم للطالبة “خديجة بورحيم”، والتي أتمت حفظ كتاب الله عز وجل على الطريقة المغربية الأصيلة.
وتواصلت الاحتفالية خارج أسوار المسجد في موكب اعتلت فيه المحتفى بها السرج التقليدي للفرس وهي ترتدي عباءتها الحمراء وممسكة بلوحها القرآني الخشبي، لتطوف بعض أزقة الدوار محفوفة بمسيرة تقدمها الشيوخ وأهالي الدوار ، وهم يتلون جماعة سورة “يس” تبركاً واحتفاءً بهذا الإنجاز الذي يرسخ القيم الدينية للمنطقة.
كُتّاب “قصبة أعروص”: مشتل قرآني بالأرقام ونور يمتد عبر الأجيال
و جدير ذكره ن أن الكتاب القرآني بدوار “قصبة أعروص”، و الذي حفظت فيه ” خديجة ” كتاب الله عز و جل ، يُشكّل صرحاً تربوياً وعلمياً قائماً بذاته، ينبض بالحياة تحت الإشراف والمتابعة الموصولة للشيخ سيدي الحاج علي أخصاصي.
وقد أثمرت هذه الرعاية الدائمة نجاحاً استثنائياً تجسده إحصائيات الكُتاب التي تعكس حجماً مهما من العطاء القرآني والتأطير التربوي المتواصل على مدى سنوات.
فقد بلغ إجمالي المستفيدين من خدمات هذا الكتّاب المتميز ما مجموعه 225 تلميذاً وتلميذة، يتوزعون بين 113 تلميذة و112 تلميذ. وقد تدرج هؤلاء المتعلمون في مستويات حفظ متعددة.
ولم تقف رسالة الكتاب عند حدود التلقين والتحفيظ الأولية، بل امتدت لتكون جسراً متيناً ونقطة انطلاق نحو آفاق علمية ومسارات أكاديمية واعدة.
فقد التحق العديد من خريجي وخريجات هذا الكتاب بالمؤسسات الجامعية لمتابعة دراساتهم العليا، بينما اختار آخرون سلك المدارس العتيقة لتعميق معارفهم الشرعية، فضلاً عن تتويج مجموعة منهم بنيل الإجازة العلمية في العلوم الدينية والشرعية.
وتأكيداً على حركيته واستمراريته في أداء هذه المظلة التربوية النبيلة، يواصل الكتاب القرآني اليوم احتضان 42 تلميذاً وتلميذة يتابعون دراستهم وحفظهم بانتظام وشغف. كما تبرز الإحصائيات دوراً ريادياً في تشجيع الفتيات والنساء على حفظ القرآن الكريم؛ حيث تزخر هذه الإحصائيات بلائحة مشرفة للحافظات اللائي ختمن كتاب الله مراراً وتكراراً عبر السنوات الماضية، مما يجسد المكانة الرفيعة التي تحظى بها المرأة بالمنطقة في صون التراث الديني والتربوي.
سيدي الحاج علي أخصاصي: عميد التحفيظ باللوح التقليدي بالإقليم ورمز العطاء القرآني
ويقف خلف هذا الصرح القرآني الشامخ رجل نذر حياته لخدمة كتاب الله عز وجل، وهو إمام المسجد فضيلة الشيخ “سيدي الحاج علي أخصاصي”، الذي يتربع بحق على رأس قائمة المربين والمحفظين بالإقليم، محتلاً الرقم الأول بلا منازع في الاعتماد على طريقة التحفيظ التقليدية باللوح والصلصال والمداد، وصون هذا الموروث الأصيل من الاندثار.
وقد تجلت مشاهد هذا الوفاء والإجلال في المكانة التي يحظى بها امام المسجد و مكون الكتاب من لدن الساكنة ، امتناناً لجهوده الموصولة و صبره و حكمته في غرس حب القرآن في قلوب الناشئة، وترسيخ قيم الإسلام السمحة في وجدان أجيال متعاقبة؛ أثمرت حصاداً مباركاً من الحفظة بدوار ” قصبة أعروص “.
لقد أثمرت جهود “سيدي الحاج علي أخصاصي” بكُتاب دوار “قصبة أعروص” حصاداً مباركاً يستحق أن يتوج بمداد من ذهب؛ تمثل في ختم العشرات من الحفظة والحافظات ، ممن يتلون كتاب الله بكرة وأصيلاً. ليبقى “سيدي الحاج علي أخصاصي” شمعة تضيء هذا المسجد ، وعنصر فخر واعتزاز للإقليم برمته، ورجلاً يصدق فيه قول القائل: “طوبى لمن جعل الله الخير على يديه”.
ساكنة دوار “قصبة أعروص”: الدعامة الأساسية والراعي الأكبر للتأطير القرآني
و تجدر الإشارة إلى إن هذا النجاح القرآني الباهر بالدوار لم يكن ليتأتى لولا الوعي العالي والحرص الشديد لساكنة دوار “قصبة أعروص” وأولياء الأمور الذين يمثلون الحاضنة الحقيقية والشريان الحيوي لهذا الكتاب المبارك.
ففي كل صباح، وقبل بزوغ الفجر وأداء صلاة الصبح، يحرص الآباء والأمهات على إرسال أبنائهم وبناتهم إلى المسجد للاستظهار والحفظ في وقت مبكر، مستحضرين أهمية البركة والتربية الإيمانية الصالحة.
ولا يقتصر دور الساكنة على التشجيع المعنوي فحسب، بل يمتد إلى الدعم المادي واللوجستي المستمر لضمان استمرارية هذا الصرح؛ إذ تتكفل الأسر بتوفير الواجب المالي السنوي للإمام (لِحْضار)، إلى جانب توفير التغذية والرعاية الكاملة لفضيلته، في صورة رائعة تعكس قيمة التكافل والوفاء للقرآن الكريم وحملته، وتؤكد مدى ارتباط الساكنة الوثيق بهويتهم الدينية الأصيلة.



















































































تعليقات