تسعى الخطابات الإعلامية والسياسية الغربية دائما إلى خلط المفاهيم وتحريف الوقائع عند كل حراك اجتماعي أو إنساني على معابر سبتة ومليلية والمضيق.
فقد سارعت منابر إعلامية وسياسية إسبانية إلى خوض حملة شحن مكثفة، عقب الأحداث الأخيرة التي عرفت تدفقات بشرية مكثفة حاول خلالها مئات الشباب والمهاجرين اقتحام السياج الفاصل أو العبور سباحة نحو الثغور المحتلة. ووصفت تلك المنابر الوضع بمصطلحات تتجاوز البعد الإنساني أو الاجتماعي، من قبيل الغزو العربي والإسلامي الخطير والتهديد الوجودي للحدود الجنوبية لأوروبا.
إن هذا الشحن الإعلامي المكثف يتجاوز كونه قلقا أمنيا طارئا إلى كونه مؤشرا عن رغبة جارفة في تغييب الأصل التاريخي والقانوني للأزمة، واستغلال الواقعة لتحويل الانتباه عن القضية الجوهرية المتمثلة في بقاء هذه الأراضي المغربية تحت الاحتلال الإسباني.
فعندما تختزل المشاهد المتكررة للشباب والمهاجرين المحاولين العبور نحو حلم العافية الاقتصادية في خانة التوصيفات السالفة الذكر، فإن المنظومة اليمينية والإعلامية الإسبانية تمارس لعبة تعمية بصرية وسياسية متقنة. إنها تجعل من العبور الاجتماعي الشجرة التي تخفي غابة الاستعمار القائم، وتنسى أو تتناسى أن أصل الأزمة ليس تدفقا بشريا طارئا، بل هو وجود استعماري استيطاني يعود لقرون على أراض مغربية لا تقبل التجزئة.
مسرحية الخطاب الإعلامي: من الاستعمار إلى العقدة الأمنية
إن استخدام مصطلحات الحرب والعرق والدين مثل الغزو أو الخطر القادم من الجنوب من قبل الإعلام الإسباني ليس جديدا، بل هو استدعاء لخيالات الاسترداد التاريخية. والهدف الأساسي من هذا التجييش الإعلامي يتلخص في شقين:
شيطنة الضحية: تحويل الوضع من قضية أراض مغربية سليبة تحت الاحتلال الإسباني إلى حالة دفاع عن النفس لقلعة أوروبية مهددة.
ترحيل الأزمة سيكولوجيا: تصوير الثغور المحتلة وكأنها حدود طبيعية وأبدية للاتحاد الأوروبي، بينما هي في الواقع نتوءات استعمارية خطط لها التاريخ الإمبريالي ولا تزال تقاوم منطق الجغرافيا العنيد.
ما الذي أخفته اتفاقيات الاستقلال السياسي؟
تطرح الأحداث المتكررة سؤالا مريرا حول طبيعة الوثائق والاتفاقيات التي بني عليها استقلال المغرب في منتصف القرن العشرين. هل كان الاستقلال السياسي كافيا أم أنه كان مشروطا بملفات معلقة؟
1. الاستقلال المجزأ: استعاد المغرب سيادته على مراحل، لكنه ترك الثغور الشمالية سبتة، مليلية، والجزر الجعفرية، وجزر النكور وباديس رهينة لتوازنات القوى الدولية والإقليمية آنذاك.
2. الواقعية السياسية المفرطة: أدت الحسابات الاقتصادية والدبلوماسية المتعاقبة إلى وضع هذه الملفات في الثلاجة، وتأجيل طرحها بمقابل ملفات أخرى كالمقترح الحاسم في الصحراء المغربية.
3. تحويل المغرب إلى حارس الحدود: استغلت مدريد والاتحاد الأوروبي هذه الاتفاقيات الضمنية والمكشوفة لإعادة تعريف دور المغرب من صاحب حق ترابي إلى شرطي حراسة لقلعة أوروبا ضد الهجرة.
الدستور ومطلب التحرير: بين النص الدستوري والتطبيق الواقعي
إذا عدنا إلى الوثيقة الدستورية المغربية، نجد أن التزام الدولة بحماية حوزة الوطن واستكمال وحدته الترابية هو واجب أسمى ونسق لا يقبل المساومة. لكن السؤال النقدي المطروح هنا هو: أين يقع ملف سبتة ومليلية والجزر في المفاوضات الرسمية اليوم؟
إن الالتزام الدستوري باستكمال الوحدة الترابية يقتضي حراكا دبلوماسيا وقانونيا متواصلا لا يخضع لمواسم التوتر السياسي العابر مع الجارة الشمالية.
الحدود الحقة وسؤال المستقبل
إن الحدود الحقة لبلادنا لا تحددها الأسلاك الشائكة التي أقامتها إسبانيا بدعم أوروبي، ولا يرسمها الخوف من التقارير الإعلامية الغربية. الحدود الحقة هي تلك التي تطابق الجغرافيا التاريخية والأمة المغربية الممتدة.
إن التفاعل السليم مع ما حدث في سبتة والمضيق لا ينبغي أن يقف عند حدود اللوم الديموغرافي أو تبادل الاتهامات الأمنية، بل يجب أن يكون شرارة لإعادة فتح الملف من جذوره. فالأزمة الحقيقية ليست في أعداد الشباب الذين يحاولون العبور، بل تكمن في بقاء أراض مغربية تحت الاحتلال تجعل من هذه النقاط حافز انفجار دائم، وتذكرنا كل يوم بأن مسيرة التحرير والوحدة الترابية لم تكتمل بعد.
عبد الله صمايو
مهتم بتحليل وتقييم السياسات العمومية



تعليقات