ذ.العربي إمسلو
بنكيران، هذا الرجل الذي ملأ الدنيا وشغل الناس، كل الناس، يستوي في ذلك مؤيدوه وخصومه، بتواصله واقتحامه للزوايا الميتة في الممارسة السياسية. هكذا كان ديدنه ولا يزال، وهي الخرجات التي كانت دائما تثير الزوابع في الأوساط السياسية، وأحيانا في صفه الداخلي. رجل لا ترعبه الأزمات، ويتعامل معها بمنطق “كبرها تصغار”، وطالما خلق أزمات داخلية كادت أن تعصف بالصف الداخلي، وذات مرة صرح في حلقة من حلقات برنامج “حوار” لمقدمه مصطفى العلوي، بأن عيبه الوحيد “ماكانحضيش الكرسي علاش جالس”.
هذا هو بنكيران، بتلقائيته وعفويته، بقفشاته وقهقهاته، وسقطاته أيضا – الناتجة عن كثرة كلامه – لكن عددا من خصومه قبل أصدقائه يشهدون له بالحنكة السياسية، وبالمزاوجة الصعبة بين النضال المبدئي والإيمان العميق بالتوابث، ومنها الملكية.
مناسبة هذا الكلام، واقعتان قريبتان ومتقاربتان زمنيا، تبرزان الحدس السياسي للرجل من جهة، ومكر خصومه، بل وخصوم الوطن، في خلط الأوراق من جهة أخرى.
الواقعة الأولى، قبل شهر تقريبا، حين صرح في تجمع خطابي بمدينة الصويرة ” عندنا ملك واحد، بلا مايتخبا شي واحد مورا الملك، يكون أزولاي ولا فؤاد علي الهمة ولا يكون شي قندوح آخر…”، رسالة عميقة الدلالات، وتستشعر خطرا محذقا لا محالة، لكن الآلة الإعلامية للخصوم، نجحت في تضخيم كلمة القندوح و عدم ملاءمتها ووو …. طبعا اعتذر بنكيران عن هذه الكلمة، متمسكا ببقية كلامه، لكن لا أحد عاد إلى جوهر الفكرة، اللهم إلا المعنيين بها ومن في مستوياتهم، أما عموم الجماهير ممن تعوزهم ملَكة القراءة السياسية للكلام، فأخذوا بالظاهر قبل أن يتم توجيههم لوِجهة أخرى.
الواقعة الثانية، حين تحدث للمرة الثانية بعد حادثة الهروب الجماعي إلى سبتة يوم عيد العرش، وقال: “طلبت من جلالة الملك تفسيرا حول من وراء أحداث سبتة..لحد الآن لم أتلق جوابًا، وما زلت أنتظر.”، فانبرى وكلاء سدنة المعبد مرة أخرى لتحريف الكلام، واستكثار مخاطبة مسؤول سياسي لملك البلاد بتوضيح ما وقع، واختزال القصة كلها – زورا – في الإخلال بالاحترام الواجب للملك، وكأن الأرواح التي أزهقت، وسمعة البلد التي مُرغت، لا تستحق التوقف عندها.
هاتان واقعتان من بين وقائع أخرى، تبرز بما لا يدع مجالا للشك، أن هناك عملا ممأسسا لإبقاء المواطن في دار غفلون، ويبقى بعيدا عن النقاس السياسي الحقيقي، وأسيرا لمعيشه ومعاشه، ولا يكون حظه من النقاش السياسي إلا ما يرتبط بالزيادة في الأسعار أو فساد المنتخبين، أما ملعب الفساد الأكبر، فلا يقتحمه إلا من لازم صدق الكلام ونظافة اليد، والاستعداد للتضحية من أجل مواقفه، وهي خصال مسجلة في صحائف عدد من ساسة المغرب قبل الاستقلال وبعده، وحتما، لن يكون بنكيران آخرهم.
في مطلع أغنية “غصاد إزري” للمجموعة المناضلة إزنزارن:
إلان أونرار غيد اغ أور تليت أياضو
أوراكيسن إزوزور غار ويلي كافانين”



تعليقات