لم يعد مقبولاً أن يُطلب من مغاربة العالم المساهمة في تنمية وطنهم، بينما يجدون عند عودتهم إلى إقليم سيدي إفني أنفسهم أمام بطء إداري، وتعقيد في المساطر، ومشاكل عقارية، وعراقيل قد تحول الاستثمار إلى معاناة يومية.
ففي الوقت الذي تؤكد فيه الخطب الملكية على ضرورة تسهيل المساطر أمام مغاربة العالم، والاستماع إلى انشغالاتهم، ومواكبتهم وتشجيعهم على الاستثمار والعودة إلى الوطن، يجد المواطن نفسه أحياناً بين خطاب يفتح أمامه الأبواب وواقع إداري يغلقها.
ومن أخطر ما يثير القلق ما يتداوله عدد من المواطنين حول وجود شبكة مصالح ونفوذ تضم بعض الموظفين وبعض المسؤولين وبعض المنتخبين، تستفيد من الموقع والمعلومة والعلاقات للتأثير في مسار الملفات. وإذا كانت هذه الادعاءات تحتاج إلى التحقق، فإن انتشارها وفقدان المواطنين الثقة في الإدارة يستوجبان فتح نقاش جدي وتفعيل آليات المراقبة والمحاسبة.
فالإدارة ليست ضيعة خاصة، والمعلومة ليست ملكاً شخصياً، والموظف أو المنتخب ليس فوق القانون. والمواطن من حقه أن يجد مسطرة واضحة، وأجلاً محدداً، وجواباً معللاً، وآلية فعالة للشكوى والتظلم.
والأكثر إثارة للقلق أن بعض المواطنين يؤكدون أنهم يجدون أنفسهم مضطرين إلى الاستعانة بمفوض قضائي لإثبات إيداع شكاياتهم لدى عمالة الإقليم، بينما تصبح الاستجابة لها أمراً بالغ الصعوبة. وإذا صح ذلك، فإنه يطرح سؤالاً مشروعاً حول فعالية آليات المراقبة والتظلم والمحاسبة بالإقليم.
أما مغاربة العالم، فلا ينبغي تحويلهم إلى شماعة لتعليق فشل التنمية عليهم أو قنطرة لتمرير خطاب (العام زين) فهم لا يدبرون مديزانيات الإقليم، ولا يضعون السياسات العمومية، ولا يسيرون الإدارات. بل إنهم، رغم الغربة وتحديات بلدان الإقامة، يواصلون دعم أسرهم، وتحويل الأموال، والعودة سنوياً، وبناء مساكنهم، ومحاولة الاستثمار في وطنهم.
كان بإمكان كثير منهم أن يستثمر أمواله في أماكن أخرى، لكنه يختار وطنه وإقليمه بدافع الانتماء وحب الأرض والأسرة، لذلك، فإن دفعه بالعراقيل والوساطة والتعقيد إلى التراجع عن الاستثمار هو خسارة للإقليم وللوطن قبل أن تكون خسارة للمستثمر.
المطلوب ليس امتيازات لمغاربة العالم، وإنما احترام حقوقهم. المطلوب إدارة تُسهّل الاستثمار بدل أن تُخيف المستثمر، ومسؤولون يطبقون القانون بدل أن يتحول الموقع إلى نفوذ شخصي، وآليات مراقبة ومحاسبة تستجيب للشكايات بدل أن تترك المواطن وحيداً في مواجهة الإدارة.
ولمن يريد التأكد من حجم المعاناة، فما عليه إلا أن يستمع إلى أبناء الجالية بعيداً عن اللقاءات الرسمية والمناسبات البروتوكولية. سيجد قصصاً كثيرة عن ملفات متعثرة، ومشاريع تعطلت، ومواطنين أصبح بعضهم لا يريد حتى الحديث عن الاستثمار، يريد فقط العودة إلى حيث أتى.
أما الاكتفاء برفع صورة الملك والاستماع بخشوع إلى النشيد الوطني في المناسبات، دون تنزيل روح التوجيهات الملكية في الإدارة اليومية، فلا يمكن أن يكون بديلاً عن احترام المواطن والقانون.
مغاربة العالم ليسوا سبب فشل التنمية في سيدي إفني؛ فمن يملك السلطة والميزانية والقرار هو من يتحمل المسؤولية.
وإذا كان هناك خلل أو نفوذ أو تجاوزات، فالحل ليس الصمت، وإنما فتح تحقيق جدي وشفاف، وتفعيل المراقبة والمحاسبة، وإعادة الثقة بين المواطن والإدارة.
فالإقليم الذي يريد التنمية لا يمكنه أن يطرد أبناءه من الاستثمار فيه، ثم يسألهم بعد ذلك: لماذا لم تستثمروا؟
عمر بنعليات



تعليقات