سعيد رحم – تيزبريس.
أصدرت السلطات الإقليمية في شخص عامل تيزنيت قرارا حاسما يقضي بالإغلاق الفوري للمطرح الجماعي القديم لتيزنيت في ظرف عشرة أيام، مع تعبئة الآليات الإقليمية لطمر ما تبقي من النفايات، بالموازاة مع الشروع في فتح المطرح الإقليمي الجديد. هذا التدخل الفوقي والسريع جاء ليُسلط الضوء على واقع مرير يطبع تدبير هذا الملف البيئي الحساس، متجسدا في تناقض صارم وغموض كبير يحكم العلاقة والتدبير المشترك بين سلطات الوصاية ورئاسة المجلس الجماعي لتيزنيت.
فإلى حدود الإعلان عن القرار، غابت الإشارات الرسمية أو التصريحات من أعضاء المجلس الجماعي لتنوير الرأي العام بأن فتح المطرح الإقليمي وإغلاق القديم بات على الأبواب. والأدهى من ذلك، استمرار الصمت المطبق من طرف الجماعة التي لم تُصدر أي بلاغ رسمي يُؤكد الخبر أو يوضح تفاصيله للساكنة، مما كرّس شعورا عاما بغياب التواصل المسؤول والتدبير الارتجالي لملف مصيري يمس بصحة المواطنين والبيئة بشكل مباشر.
يعود التفكير في إيجاد حل جذري لمعضلة النفايات بتيزنيت إلى سنوات خلت، حيث انخرطت الجماعة في التوجيهات الوطنية لتدبير النفايات عبر اتفاقية إطار تعود جذورها إلى سنة 2011 بتكلفة إجمالية بلغت 50 مليون درهم.
وحسب الوثائق التقنية، مرّ المشروع بمسار شاق وطويل من الدراسات القبلية ودراسات التأثير البيئي والجدوى التي انطلقت فعليا سنة 2012، قبل أن يدخل متاهة إعلانات طلبات العروض المتعثرة:
– إعلان طلب العروض رقم 2015/02: تم إلغاؤه في ديسمبر 2015 بعد الكشف عن العروض.
– إعلان طلب العروض رقم 2015/03: أُطلق في أواخر 2015 وشارك فيه 5 شركات، لكنه أُُلغي في سبتمبر 2016 لكون الثمن المقترح فاق إمكانيات الجماعة.
– إعلان طلب العروض رقم 2017/21: عرف تعديلات جوهرية شملت الرفع من مدة استغلال المركز إلى 20 سنة (بدل 15 سنة سابقاً) وتحويل مركز الفرز من شبه ميكانيكي إلى مركز فرز يدوي.
ولكن يُبرز تتبع هذا الملف الحارق تقاطع محطات تدبيرية متعددة تفرع فيها تحمل المسؤولية بين مجالس متعاقبة على تسيير الشأن المحلي بتيزنيت، إذ يُسجل أن الوعاء العقاري الذي يحتضن هذا المطرح الإقليمي والذي يتواجد إدرايا بتراب جماعة تيزنيت ومجاليا بالمعدر الكبير، قد بدأت عملية تأمينه في فترة الرئاسة السابقة لعبد اللطيف أعمو لجماعة تيزنيت، في حين أن الاعتمادات المالية للمشروع تم توفيرها وتعبئتها في ولاية المجلس الحالي برئاسة إبراهيم بوغضن حيث ساهمت مرة اخرى جائحة كورونا بتعثر المشروع،
هذا التداخل في المحطات الزمنية والتدبيرية يطرح التساؤل المشروع حول أسباب هذا التأخر الطويل في الإنزال الفعلي للمشروع رغم تكامل حلقاته العقارية والمالية بين المجالس المتعاقبة وخاصة بعد تولي الأحرار تسيير جماعة تيزنيت في 2021.
وكما أوردنا سابقا يقع مركز الطمر والتثمين للنفايات لجماعة تيزنيت بالنفوذ الترابي لجماعة أكلو وبمجال المعدر الكبير بجانب المنطقة الصناعية.. ويهدف المشروع إلى استقبال ومعالجة النفايات المنزلية ومثيلاتها داخل حفر مجهزة وفق المعايير البيئية، وبناء وحدة فرز النفايات للتثمين المادي وإدماج العاملين بالقطاع غير المنظم، مع معالجة عصارة النفايات لحماية الفرشة المائية والمجال البيئي.
غير أن التسريع المفاجئ في فتح هذا المركز يطرح شكوكا كبرى حول مدى احترام البنود الصارمة لدفتر التحملات، وتحديدا مدى جاهزية وكفاءة وحدات المعالجة القبلية والبعدية لضمان عدم تكرار الأضرار البيئية للمطارح العشوائية.
وقد شكلت النفايات الناتجة عن المطارح نقطة توتر وتخوف أساسية لدى الساكنة والفعاليات المحلية بجماعة المعدر ، نظرا للأضرار البليغة التي التي تخلفها المطارح العشوائية على مستوى تلويث الفرشة المائية والتأثير على التوازن البيئي.
ووفقا للضوابط المؤطرة لمراكز الطمر والتثمين، يُفترض فرض معالجة تقنية صارمة لعصارة النفايات عبر أحواض مخصصة للتجميع والمعالجة لمنع تسرب السوائل السامة إلى الباطن والمجال البيئي..غير أن التحدي القائم يكمن في مدى صرامة تفعيل هذه التدابير وضمان الشفافية والمراقبة المستمرة لكفاءة وحدات المعالجة لتجنب تكرار الانعكاسات البيئية السلبية.
وهنا نقف على نمط التدبير، بين التدبير المفوض ورهانات المسؤولية المؤسساتية
نظرا للتعقيدات التقنية البالغة والغلاف المالي الضخم المطلوب لتشغيل مراكز الطمر والتثمين وصيانتها، حيث لا تدير المجالس الجماعية هذه المرافق بشكل مباشر، بل تُسند إلى شركات خاصة متخصصة في إطار عقود التدبير المفوض (وهو ما يفسر تمديد مدة الاستغلال في صفقات سابقة لتصل إلى 20 سنة لضمان استرداد الاستثمار وتغطية كلفة الفرز، الطمر، ومعالجة العصارة).
وفي المقابل، يقتصر دور المجلس الجماعي والسلطات الإقليمية (عبر لجنة التتبع) على المراقبة والسهر على احترام الشروط الواردة في دفتر التحملات، في حين تتحمل الشركة المفوض لها المسؤولية الميدانية والتقنية لتنفيذ بند المعالجة وحماية السلامة البيئية، وهو ما يفرض صرامة ميدانية بالغة وشفافية وتشديد في تفعيل آليات المراقبة المستمرة بعيدا عن منطق التسيير المناسباتي وإخلال لجنة التتبع بمسؤولياتها..
تدبير ملف بحجم النفايات والتثمين البيئي لا يمكن أن يُدار بمنطق الغموض والخرجات الدعائية، أو عبر الحلول الفوقية التي تفرض الأمر الواقع دون إشراك حقيقي للمواطنين وفعاليات المجتمع المدني.
وأمام هذا الوضع، يبقى المطلوب عاجلا هو فتح قنوات الحوار الجاد والمباشر مع ساكنة وفعاليات المجتمع المدني والمناطق التي تتوجس من المطرح الجديد، لتنوير الرأي العام وطمأنته بشأن الانعكاسات البيئية والصحية للمطرح الإقليمي، لأن المواطنين هم من يؤدون وحدهم الفاتورة البيئية والصحية خارج حسابات مكاتب المسؤولين.



تعليقات