الركادة – قيادة أولاد جرار
أعادت التطورات التي أعقبت الجمع العام العادي لجمعية النقل المدرسي بجماعة الركادة، المنعقد يوم الأحد 18 أكتوبر 2026 بمقر الجماعة، النقاش حول واقع تدبير هذا المرفق الاجتماعي الحيوي، في ظل تصاعد التجاذبات السياسية وتبادل المواقف بين أطراف محلية، وسط مخاوف من انعكاس هذه الخلافات على استمرارية خدمات النقل المدرسي ومستقبل العمل الجمعوي بالمنطقة.
وحسب معطيات متداولة في الأوساط المحلية وعلى مواقع التواصل الاجتماعي، فقد شهدت المرحلة التي أعقبت الجمع العام تحركات إعلامية منسوبة إلى مجموعات محسوبة على حزب الاستقلال، وأخرى محسوبة على حزب الأصالة والمعاصرة، في سياق خلافات مرتبطة بمآل المكتب المسير الجديد للجمعية، الذي يُقال إن عددا من أعضائه محسوبون على حزب التجمع الوطني للأحرار.
وتذهب بعض القراءات المحلية إلى أن هذه التحركات قد تكون مرتبطة بفرضية محاولة التأثير على موقف قائد قيادة أولاد جرار بشأن تسلم الملف القانوني للجمعية. غير أن هذه الفرضية تظل في حاجة إلى التحقق، كما يظل من الضروري استجلاء مواقف مختلف الأطراف المعنية، بما فيها السلطات المحلية وممثلو الأحزاب المذكورة، تفاديا لاختزال القضية في تأويل سياسي واحد.
النقل المدرسي بين المصلحة العامة والحسابات السياسية
وبعيدا عن خلفيات هذا الخلاف، يطرح ما يجري سؤالا جوهريا حول مدى قدرة الفاعلين المحليين على تحييد المرافق الاجتماعية عن التجاذبات السياسية، خصوصا أن النقل المدرسي ليس مجرد ملف جمعوي أو موضوع للتنافس بين مكونات المشهد المحلي، بل خدمة أساسية ترتبط بحق التلاميذ والتلميذات في التمدرس، وتساهم في الحد من الهدر المدرسي، لاسيما في المناطق القروية.
فأي توتر قد يؤثر على تدبير الجمعية أو يعرقل استكمال الإجراءات الإدارية والقانونية اللازمة لعملها من شأنه أن يثير مخاوف الأسر بشأن استمرارية الخدمة وجودتها. ومن ثم، فإن المسؤولية تقتضي من جميع المتدخلين تقديم مصلحة التلاميذ على أي اعتبار آخر، والحرص على ألا تتحول الخلافات حول تسيير الجمعية إلى عامل يهدد استقرار هذا المرفق الاجتماعي.
كما أن العمل الجمعوي، الذي يفترض أن يقوم على الاستقلالية والتطوع وخدمة الصالح العام، قد يتضرر حين يصبح موضوعا للتنافس الحزبي أو وسيلة لتعزيز النفوذ المحلي. فالجمعيات ليست امتدادا للتنظيمات السياسية، ولا ينبغي أن تتحول جموعها العامة إلى محطات لتصفية الحسابات أو إعادة رسم موازين القوى خارج القواعد القانونية المنظمة للعمل الجمعوي.
سنة انتخابية ترفع منسوب التوتر
وتكتسي هذه التطورات أهمية إضافية بالنظر إلى اقتراب الاستحقاقات الانتخابية الجماعية المرتقبة، وما قد يصاحبها من تنافس بين مختلف الفاعلين المحليين لتعزيز مواقعهم داخل المشهد السياسي.
وفي مثل هذه السياقات، تزداد الحاجة إلى الفصل الواضح بين تدبير الشأن الجمعوي والتنافس الانتخابي، حتى لا تتحول الخدمات الاجتماعية إلى أوراق ضغط أو أدوات لاستمالة الناخبين. كما يصبح من الضروري التعامل مع الخلافات المتعلقة بتجديد المكاتب المسيرة للجمعيات وفق المساطر القانونية الجاري بها العمل، بعيدا عن الضغوط الإعلامية أو الاصطفافات الحزبية.
وفي المقابل، يقتضي الإنصاف عدم الجزم بأن التحركات المثارة ذات دوافع انتخابية ما لم تتوافر أدلة موثوقة تثبت ذلك، مع إتاحة الفرصة لجميع الأطراف لتوضيح مواقفها وتقديم روايتها بشأن أسباب الخلاف ومآلاته.
دعوات إلى التعقل ومقترحات لتفادي التصعيد
وفي خضم هذه التطورات، دعا عدد من الفاعلين على مواقع التواصل الاجتماعي مختلف الأطراف المتدخلة إلى التحلي بالتعقل وضبط النفس، وتجنب تأجيج الخلافات التي قد تكون لها انعكاسات سلبية على المصلحة العامة. كما برزت دعوات أخرى تطالب السلطات المحلية بالنظر في إمكانية تأجيل الجموع العامة لبعض الجمعيات أو كلها إلى ما بعد الانتخابات الجماعية، تفاديا لما قد يرافق المرحلة الانتخابية من توترات وتجاذبات.
غير أن هذا المقترح يثير بدوره تساؤلات قانونية وتدبيرية حول مدى ملاءمته، ومدى إمكانية تطبيقه في ضوء القوانين المنظمة للجمعيات والأنظمة الأساسية الخاصة بها. لذلك، فإن أي إجراء من هذا القبيل ينبغي أن يستند إلى أساس قانوني واضح، وألا يؤدي إلى تعطيل غير مبرر لعمل الجمعيات أو المساس بحقوق أعضائها في انتخاب أجهزتها المسيرة وفق الضوابط المعمول بها.
وقد يكون من الأجدى اعتماد مقاربة تقوم على الحوار والوساطة، والتحقق من سلامة الإجراءات التي رافقت الجمع العام، ومعالجة أي اعتراضات وفق المساطر القانونية، مع الحرص على ضمان استمرار خدمات النقل المدرسي وعدم تحميل التلاميذ والأسر تبعات الخلافات القائمة.
من المسؤول عن حماية مصلحة التلاميذ؟
إن أزمة النقل المدرسي بجماعة الركادة، إن تأكد ارتباطها بتجاذبات حول تدبير الجمعية، تتجاوز في أبعادها مسألة تشكيل مكتب مسير جديد، لتطرح إشكالية أوسع تتعلق بحدود العلاقة بين العمل الجمعوي والتنافس السياسي، وبمدى قدرة الفاعلين المحليين على جعل المصلحة العامة فوق الحسابات الضيقة.
فالسلطات المحلية مطالبة بالتعامل مع الملف وفق اختصاصاتها والمساطر القانونية الجاري بها العمل، والجماعة مطالبة بالمساهمة في حماية استمرارية المرفق الاجتماعي في حدود اختصاصاتها والتزاماتها، فيما تقع على عاتق المكتب المسير للجمعية مسؤولية تدبير شؤونها بشفافية واحترام قانونها الأساسي، وعلى مختلف الأطراف مسؤولية تجنب كل ما من شأنه تأجيج التوتر أو الإضرار بمصالح المستفيدين.
وفي نهاية المطاف، يبقى السؤال المطروح بإلحاح: هل سينجح الفاعلون بجماعة الركادة في احتواء الخلاف حول جمعية النقل المدرسي، وتحصين العمل الجمعوي من التجاذبات الانتخابية، أم ستتحول هذه القضية إلى حلقة جديدة من حلقات الصراع السياسي المحلي؟
إن الرهان الحقيقي ليس في الجهة التي ستكسب جولة الصراع، بل في قدرة الجميع على ضمان نقل مدرسي مستقر وآمن، وصون حق التلاميذ في التمدرس، وإعادة الاعتبار للعمل الجمعوي باعتباره فضاء لخدمة المواطنين، لا ساحة لتصفية الحسابات السياسية.



تعليقات