سعيد رحم – تيزبريس.
في خطوة وصفت بأنها “عودة الابن البار لإقليمه”، عُيّن السيد عبد اللطيف أجكرير، خلفا للسيد المهدي الرحيوي الذي أحيل على التقاعد، مديرا إقليميا لوزارة التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة بتيزنيت. تعيينٌ قوبل بترحيب واسع من مختلف الفاعلين التربويين والنقابيين والمدنيين، الذين رأوا في ابن الإقليم، الذي سبق له أن تقلد رئاسة مصلحة الموارد البشرية بالمديرية، فرصة لتدشين مرحلة وأسلوب جديد في التدبير والتسيير.
تيزبريس التقت عددا من الفاعلين، ورصدت انتظاراتهم، محاولة تقديم قراءة متكاملة للأولويات التي ينتظرها الشركاء من المدير الاقليمي الجديد، في مفترق طرق إصلاحي يضع المدرسة العمومية أمام اختبار حقيقي.
أولا: ابن الإقليم في اختبار المسؤولية.
لم تخلُ أي من التصريحات التي رصدتها تيزبريس من نبرة ترحيبية، بل تجاوزتها إلى التعبير عن تفاؤل حذر، بالنظر إلى أن المعين الجديد ليس غريبا عن الإقليم. فالسيد عبد اللطيف أجكرير، كما وصفه الفاعلون، هو سليل تيزنيت الذي نشأ بها وتدرج في سلم المسؤولية داخلها، مما يجعله على دراية دقيقة بمناخ الاشتغال ومشاكل المديرية.
في هذا السياق، قال هشام الكرطيط، الكاتب الإقليمي للجامعة الوطنية للتعليم FNE التوجه الديمقراطي “السيد عبد اللطيف أجكرير هو ابن الإقليم، نشأ به وتدرج في سلم الحياة الجمعوية والسياسية داخله، فهو لا يحتاج إلى تشخيص للوضع خصوصا أنه تقلد رئاسة مصلحة الموارد البشرية، القلب النابض للمديرية. فهو يعرف جيدا مشاكل المديرية، ومناخ الاشتغال داخلها والكيمياء التي تحفز العلاقات والولاءات والاصطفافات.”
ومن جهته، أشار محمد التويسي، الكاتب الإقليمي للجامعة الوطنية لموظفي التعليم، إلى أن قدرة المدير الجديد على تلبية الانتظارات لا ترتبط فقط بتجربته، بل “بدرايته الكبيرة بالإقليم باعتبار سابقته في تحمل المسؤولية بالمديرية، ونظرا لما يتسم به شخصه من التواضع ولين الجانب، والعلاقات الطيبة مع شريحة كبيرة من أسرة التربية والتكوين بالإقليم”.
أما امبارك عياشي، رئيس الفرع الإقليمي للفيدرالية الوطنية لجمعيات أمهات وآباء وأولياء التلاميذ، فعبر عن ترحيب مؤسساتي، معتبرا أن هذا التعيين يمثل دفعة قوية للمنظومة التربوية، ومؤكدا استعداد الفرع للانفتاح والتعاون المشترك، ووضع كل إمكانياته رهن إشارة المديرية.
وفي السياق نفسه، عبر عبدالله الخراز، رئيس جمعية أمهات وآباء وأولياء التلميذات والتلاميذ بمدرسة البساتين بحي دوتركا،أحد الأحياءةالملحقة بالمجال الحضري لتيزنيت، عن تهانيه نيابة عن أعضاء الجمعية وكافة أولياء الأمور، معتبرا أن هذا التعيين “مناسبة متجددة لتعزيز الثقة في المدرسة العمومية، وترسيخ ثقافة الإنصات والحوار مع مختلف الشركاء”.
غير أن هذا الترحيب، كما بدا واضحا، لم يكن مجانيا، بل حمّلته مختلف الأطراف برسائل واضحة، مفادها أن نجاح المدير الجديد مرهون بقدرته على الإصغاء والانفتاح، وتصحيح ممارسات الماضي، وفي مقدمتها ما وصفه التويسي بـ”منطق الخصومة والإقصاء”، وما أشار إليه الكرطيط بـ”تدجين الوجوه النقابية” و”الولاءات الإيديولوجية والقبلية”.
ثانيا: الحوار والانفتاح.. مطلب مشترك بين النقابات والجمعيات والمدنيين.
برز الحوار كمطلب مركزي ومتقاطع بين جميع المتحدثين، وإن اختلفت زوايا تناوله..
النقابات ركزت على مأسسة الحوار الاجتماعي، وعدم اقتصاره على اللقاءات الشكلية الموسمية، بل جعله آلية دائمة للتدبير التشاركي.
في هذا الصدد، أوضح هشام الكرطيط أن الحوار مع النقابات تؤطره المذكرة الوزارية الإطار 103/17، لكنه حذر من تحويل اللجنة الإقليمية إلى “لجنة شكلية موسمية”، داعيا إلى إشراك النقابات في جميع العمليات التدبيرية المهمة، وتنزيل ومتابعة وتفعيل قراراتها بشكل دقيق ومسؤول، مع تحييد الولاءات الإيديولوجية والسياسية والقبلية في التواصل.
بدوره، ذهب محمد التويسي إلى أبعد من ذلك، داعيا إلى تجسيد الشراكة الحقيقية مع الشركاء الاجتماعيين، منتقدا منطق الإقصاء للأصوات المنتقدة، وتدجين الوجود النقابية مقابل الصمت على الخروقات. كما طالب بتصحيح منطق الخصومة بين الموظف والمسؤول، واستعادة خصلة التواضع في التعامل مع المرؤوسين، واسترجاع المديرية لوحدتها وتكامل وظائف مصالحها، وتجاوز منطق الصراع الداخلي والتطاحنات التي نتجت عن التدبير بمنطق “فرق تسد”.
أما عبد الله الخراز، فتحدث عن ثقافة الإنصات والحوار مع مختلف الشركاء، واعتبر جمعيات الآباء شريكا أساسيا في دعم المؤسسة التعليمية، ليس مجرد متلق للأوامر، بل فاعلا في صنع القرار التربوي.
وطالب بأن تحظى الأحياء ذات الهشاشة الاجتماعية، وفي مقدمتها حي دوتركا، باهتمام خاص في البرامج التربوية والتنموية والاجتماعية، من خلال توسيع برامج الدعم التربوي والدعم المدرسي، وتعزيز الأنشطة الموازية الثقافية والفنية والرياضية والبيئية، وتقوية برامج الدعم الاجتماعي والنفسي داخل المؤسسات.
واتسعت دائرة الحوار عند أبوبكر أيت بو الديب، الفاعل المدني، لتشمل الانفتاح على الفاعلين المدنيين والميدانيين، والانتقال من تدبير إداري مغلق إلى تدبير قائم على القرب والإنصات لواقع المؤسسات، منتقدا الاكتفاء بالتقارير الإدارية.
وشدد على أن نجاح المسؤول لا يقاس بعدد الاجتماعات أو المذكرات، وإنما بقدرته على إحداث أثر ملموس في حياة التلميذ، خاصة بالمجال الجبلي.
ثالثا: الاكتظاظ والبنيات التحتية.. أزمة تهدد جودة التعليم.
يُعد الاكتظاظ والخصاص في البنيات التحتية من أكثر الملفات إلحاحا، وقد تكرر ذكره في جميع التصريحات تقريبا، مما يعكس حجم الأزمة التي تهدد جودة التعليم بالإقليم.
عبد الخراز طالب بدراسة إمكانية إحداث إعدادية ثانية بالمدينة القديمة، إلى جانب إعدادية مولاي رشيد، للتخفيف من الضغط على هذه المؤسسة، وتحسين ظروف التمدرس، وتقريب الخدمات التعليمية من التلاميذ.
كما نبه هشام الكرطيط إلى أن ثانوية الوحدة وثانوية أركان ستعيش اختناقا في الموسم المقبل، بسبب تجاوز عدد التلاميذ للطاقة الاستيعابية، ودعا إلى تدخل عاجل لإنقاذ المناخ التعليمي والتربوي، كما طالب بتدعيم الإدارات المدرسية بالحراس العامين والمساعدين الإداريين والتربويين.
بلخير بومهاوت، الباحث والفاعل المدني، وسّع المطلب، داعيا إلى إحداث مؤسسات إعدادية وتأهيلية جديدة لتخفيف الضغط، وتوفير الموارد البشرية الكافية من أساتذة وأطر إدارية ومختصة، وتحسين ظروف العمل عبر صيانة البنيات وتجهيز المختبرات والقاعات والمكتبات، وتوفير الوسائل الرقمية.
وخلص إلى أن الوزارة نفسها جعلت من تقليص الاكتظاظ هدفا للدخول المدرسي المقبل، مما يستوجب تحركا عاجلا من المدير الجديد.
أبوبكر أيت بو الديب ربط الاكتظاظ بالعدالة المجالية، مسلطا الضوء على معاناة منطقة أدرار تحديدا، حيث يعاني التلاميذ الجبليون من نقص حاد في بنيات الإيواء من داخليات ودار الطالب، مما يضطرهم إلى مغادرة أسرهم مبكرا أو قطع مسافات شاقة، وهو ما يساهم في الهدر المدرسي والانقطاع عن الدراسة.
وطالب بتوسيع بنيات الاستقبال والإيواء، مشيرا إلى أن داخلية الثانوية التأهيلية الرازي بتيغمي تعاني اكتظاظا واضحا، وداخلية الثانوية الإعدادية الجزولي بأنزي بحاجة إلى إعادة تأهيل شاملة، كما دعا إلى تسريع إنجاز دار الطالب بتيغمي لتخفيف الضغط عن الداخليات.
رابعا: العدالة الاجتماعية.. همّ الفاعلين المدنيين
برز البعد الاجتماعي بقوة في تصريحات الفاعلين المدنيين، الذين رفعوا شعار العدالة الاجتماعية والمجال كأولوية قصوى، متجاوزين بذلك المطالب الإدارية والنقابية إلى جوهر قضية المدرسة العمومية كآلية للإنصاف.
أبوبكر أيت بو الديب قدم قراءة متكاملة لمعاناة أدرار، مطالبا بـ:
· توسيع بنيات الاستقبال والإيواء.
· ضمان مجانية النقل المدرسي للأسر الفقيرة، لأن كلفة التنقل أصبحت تشكل عبئا حقيقيا وتساهم في الهدر المدرسي.
· تأهيل المؤسسات التعليمية، فمن غير المقبول أن هناك مؤسسات لم تستفد من الصيانة والصباغة منذ سنوات، وأن يواصل التلاميذ الدراسة على طاولات مهترئة وفي فضاءات تفتقر إلى الحد الأدنى من شروط الكرامة.
· تشديد مراقبة جودة الإطعام المدرسي، بالنظر إلى الملاحظات المتكررة بشأن جودة الخدمات، وربط المسؤولية بالمحاسبة.
· تعزيز موارد الحراسة والنظافة، لأن الخصاص يؤثر على أمن المؤسسة ونظافتها وجودة فضاءها التربوي.
أما بلخير بومهاوت، فتطرق إلى قضايا أخرى، مثل إعادة الاعتبار للأنشطة الموازية، جاعلا من مساء يوم الجمعة في الثانويات التأهيلية وقتا لها، بعد أن اختفت نتيجة الاكتظاظ. كما ركز على ملف التربية الدامجة، داعيا إلى تسريع ترخيص مرافقات ذوي الهمم وأطفال الاضطراب التوحدي، وتوفير قاعات الموارد، والتكوين المستمر للمرافقات، إضافة إلى تسريع صرف التعويضات المالية للأساتذة والأطر خلال فترات الامتحانات الإشهادية.
وقد وجد هذا البعد الاجتماعي صدى واضحا لدى عبد الخراز، الذي خص بالذكر الأحياء الهشة، مطالبا بتوسيع برامج الدعم التربوي والدعم المدرسي لضمان تكافؤ الفرص، وتعزيز الأنشطة الموازية، وتقوية برامج الدعم الاجتماعي والنفسي داخل المؤسسات للوقاية من السلوكيات السلبية، خاصة في المجالات التي تعاني من محدودية الفضاءات السوسيوثقافية والترفيهية، ان لم نقل انعدامها كليا.
خامسا: الموارد البشرية بين الإنصاف والمطالب المهنية
شغلت قضايا الموارد البشرية حيزا مهما وحاسما، خاصة في التصريحات النقابية، حيث مثلت جوهر الأزمة التي يعيشها قطاع التعليم بالإقليم.
محمد التويسي رفع مطالب حساسة، تتعلق بالترقي، منتقدا سياسة المدير السابق التي أقبرت طموحات الموظفين، والمنع من اجتياز المباريات الخارجية التي يتيحها القانون بدون أسباب مقنعة، داعيا إلى فتح الآفاق الجديدة داخل وخارج الوطن بدلا من سياسة القمع والإقصاء.
واعتبر أن منطق الخصومة الذي كان يطبع سلوك المدير السابق هو ما أدى إلى إحباط طموحات عدد كبير من الموظفات والموظفين.
هشام الكرطيط ركز على الإنصاف في تدبير الموارد البشرية، واعتماد معايير الاستحقاق والشفافية في إسناد التكليفات، محذرا من أن ملف الفائض والخصاص يكشف نوايا الإدارة الحقيقية وطبيعة ولائها ومدى احترامها للقانون.
وقال في هذا السياق “هذا الباب دائما ما يقصده الانتهازيون بمختلف تصنيفاتهم ورتبهم لضرب مبدأ الاستحقاق وإغراق المديرية في الريع والفساد.”
بلخير بومهاوت طالب بتسريع صرف التعويضات، وتحسين ظروف العمل داخل المؤسسات، وضمان الأمن المدرسي وتعزيز حماية الأطر التربوية والإدارية من مختلف أشكال العنف مع تفعيل القوانين ذات الصلة، وإجراء حوار اجتماعي فعال لحل الملفات العالقة وتحسين الوضعية المادية والمهنية.
سادسا: الأولويات المتقاطعة.. قراءة في التقاطعات
من خلال هذه التصريحات، يمكن تحديد مجموعة من الأولويات المتقاطعة التي تجمع الفاعلين، وإن اختلفت درجات التركيز عليها. فالحوار والانفتاح يطالب به الجميع، لكن النقابات تركز على مأسسته، والجمعيات على ثقافة الإنصات، و الفاعلون المدنيون على القرب والميدان. كما شغل موضوع الاكتظاظ والبنيات حيزا كبيرا في جميع التصريحات، مع تركيز الفاعل المدني بشكل خاص على المناطق الجبلية. في حين كانت العدالة الاجتماعية همّ الفاعلين المدنيين بالدرجة الأولى، مع اهتمام جمعوي بالأحياء الهشة. أما الموارد البشرية فكانت محور النقابات، مع مطالب عملية من المدنيين حول الحراسة والنظافة والتعويضات.. وحضرت التربية الدامجة بقوة في تصريحات المدنيين والجمعويين، في حين طالب الجمعويون والمدنيون بالأنشطة الموازية التي تراجعت بشكل كبير.
سابعا: خارطة طريق للمدير الجديد.
من هذه التصريحات، يمكن استخلاص خارطة طريق متكاملة للمدير الإقليمي الجديد، توزعت على ثلاثة أمداد زمنية، فعلى المدى القصير، والمتعلق بالدخول المدرسي المقبل 2026-2027، يتعين فتح قنوات الحوار مع جميع الشركاء، ومعالجة ملف الاكتظاظ في المؤسسات الأكثر ضغطا، وتسريع صرف التعويضات المتأخرة، وتوفير الموارد البشرية الأساسية، وتفعيل التربية الدامجة عبر الترخيص بمرافقات ذوي الهمم. أما على المدى المتوسط، فتشمل الأولويات دراسة إحداث مؤسسات تعليمية جديدة، وتأهيل البنيات التحتية، وتوسيع برامج الدعم الاجتماعي، وتطوير الأنشطة الموازية، وإطلاق برامج تكوينية مستمرة. وفي المدى البعيد، يهدف المشروع إلى ترسيخ ثقافة الحوار المؤسساتي، واعتماد معايير الاستحقاق والشفافية، وتحقيق العدالة المجالية في توزيع الموارد، والارتقاء بجودة التعلمات وفق خارطة الطريق 22-26، بما يجعل المدرسة العمومية أداة فاعلة للإنصاف والتنمية.
يجمع الفاعلون على أن تعيين السيد عبد اللطيف أجكرير يمثل فرصة حقيقية لتقديم دفعة قوية للتعليم بإقليم تيزنيت، لكن هذه الفرصة مشروطة بـالانفتاح والحوار الفعلي مع جميع الشركاء، ومعالجة ملف الاكتظاظ والبنيات التحتية كأولوية قصوى، وتكريس العدالة المجالية والاجتماعية، بإيلاء المناطق الجبلية والهشة اهتماما استثنائيا، مع التأكيد على مبدأ الإنصاف في تدبير الموارد البشرية واحترام الكرامة المهنية، والانتقال من التدبير الإداري إلى التدبير الميداني القائم على القرب والإنصات..وتفعيل التربية الدامجة وضمان حق ذوي الهمم وأطفال الاضطراب التوحدي، مع إعادة الاعتبار للأنشطة الموازية ودورها في بناء شخصية المتعلم.
فهل سيتمكن المدير الجديد، الذي يعهد له الجميع بالكفاءة والتواضع ودراية بالإقليم، من تحويل هذه الانتظارات المتقاطعة إلى برامج عمل ملموسة؟ أم أن واقع الإدارة والامراض المزمنة للمديرية وثقافة المركزية وضغوطات التدبير اليومي ستبقى حجر عثرة أمام هذه الطموحات؟
الأيام والأشهر القادمة، وخاصة الدخول المدرسي المقبل، كفيلة بالإجابة، وستكون محطة اختبار حقيقية لقدرة المدير الجديد على ترجمة الأقوال إلى أفعال، والوعود إلى ممارسات، والانتظارات إلى إنجازات.



تعليقات