الحسين كافو – تيزبريس
جولة بين مزارع “ارسموكن” اليوم تكشف عن واقع تحوّل منشآت مائية كانت بالأمس نبضاً للحياة وهندسةً تباهي الندرة، إلى أطلال موحشة شاهدة على الهجران.
فجدران الآبار التي شُيدت من الحجر والطين بهندسة و إتقان استسلمت و انهارت كاشفةً عن هياكلها الحجرية العارية وسط الحقول التي غزاها الجفاف. أما بقايا “السينيس”، فقد أصبحت مجرد أخشاب متآكلة تداعبها الرياح، بينما تحولت “الشوارج”( الصهاريج ) التي كانت تفيض بالحياة إلى حوض جاف ممتلئ بالأنقاض والأعشاب الطفيلية، وانمحت معالم “المصرف”وهو المسار الترابي المائل الذي تقطعه البهائم من حمير وبغال ذهاباً وإياباً في حركة دؤوبة ومستمرة لسحب الحبال وبمجرد وصول “المكروض” إلى الأعلى، يفرغ حمولته تلقائياً في قناة “اسْلزا” التي تنقل المياه بانسيابية نحو “الشاريج” ، ذلك الصهريج الحجري الذي يختزن البركة قبل أن تتوزع على جداول الري لتسقي الزرع والضرع .
هذه المشاهد الصامتة كانت بالأمس القريب تضج بحياة صاغها الأجداد عبر تقنية ” المْكْروضْ” المبتكرة. ففوق تلك الأفواه الحجرية المهدمة، كانت ترتفع “السينيس” (الناعورة الخشبية) شامخة بأعمدتها، لترفع بواسطة الحبال “المكروض”، ذلك الدلو الضخم المصنوع من جلد الثور بعناية فائقة. وكان الصمت يكسره إيقاع خطى البهائم في “المْصْرفْ”، وهي تقطع المسار ذهاباً وإياباً لسحب الماء، الذي يتدفق بانسيابية عبر قناة “اسلزا” ليصب في “الشاريج”، مشكلاً شريان الحياة الذي يروي ظمأ الأرض والناس.
إن هذا الاندثار الذي نلمسه اليوم في ارسموكن ليس مجرد ضياع لمنشآت مائية، بل هو أفول لنمط عيش وتراث إنساني متكامل. فقد تضافرت عوامل التطور التكنولوجي، وهجرة الساكنة للعمل الفلاحي الشاق، وقسوة سنوات الجفاف، لتدفع بهذه التقنيات نحو النسيان. ومع تعويض البهائم بالمضخات الميكانيكية و الكهربائية الحديثة، فقدت المنطقة تلك الروح التي كان يمنحها “المكروض” للبساتين، وتحولت المنظومة إلى مجرد ذكريات تتآكل تحت أشعة الشمس.
ومع ذلك، يظل النداء قائماً لإعادة الاعتبار لهذا الإرث؛ فالحفاظ على ما تبقى من أطلال “السينيس” وترميم “الشوارج” التاريخية يمثل ضرورة للهوية الثقافية للمنطقة . و لما لا تحويل هذه المواقع إلى متاحف حية ضمن مسارات السياحة القروية ترد الاعتبار لثقافة مائية أبدعها الإنسان وحافظ عليها لقرون قبل أن تدركها رياح التغيير.



تعليقات