الجمعة 26 يونيو 2026| آخر تحديث 9:18 06/26



الذاهبون إلى حروب الامتحانات الإشهادية..

الذاهبون إلى حروب الامتحانات الإشهادية..

سعيد رحم.

مع كل امتحان إشهادي، يتجدد كل عام مشهد مألوف، سباق محموم مع الزمن، وتوتر يطغى على الأجواء التربوية، وكأننا أمام “حرب” حقيقية يخوضها التلاميذ والأساتذة والإداريون على حد سواء. لكن السؤال الذي يفرض نفسه بقوة، هل هذه الحرب ضرورية؟ ولماذا تتحول الامتحانات، التي هي في جوهرها لحظة بيداغوجية تقويمية، إلى طقوس بيروقراطية مرهقة، وأحيانا إلى معارك أخلاقية؟

تكشف المعطيات الميدانية عن واقع مقلق تعيشه الفرق التربوية خلال هذه الفترة، حيث يتضاعف الضغط الإداري والتربوي دون مراعاة للظروف النفسية والاجتماعية للجميع. فالأستاذ الواحد يُكلف بمهام متعددة ومتتالية، بين التصحيح والمراقبة، في ظل غياب تدبير عقلاني وإنساني لزمن الامتحانات. وهذا الإرهاق المتراكم ليس مجرد تعب جسدي، بل ينعكس سلبا على استقرار الأسر التربوية وعلى سلامة التلاميذ أنفسهم.

لكن الأزمة تتجاوز الجانب التنظيمي إلى أبعاد أعمق، ففي كل موسم، ينصب التركيز على “المقاربة التقنية” لمكافحة الغش، وكأننا نتعامل مع محتالين صغار قبل أن نتعامل مع تلاميذ. تُشغَّل أجهزة مكافحة الغش، وتُشدَّد المراقبة، وتُعتمَد وسائل تقنية متطورة، بينما يغيب البعد القيمي والأخلاقي الذي يجعل من الغش سقوطا أخلاقيا قبل أن يكون مخالفة مدرسية.

ما يجري في امتحانات الباكالوريا يعكس أزمة أعمق في ثقافة النجاح داخل المجتمع المغربي. فالنجاح بأي ثمن أصبح قيمة سائدة، تغذيها “القفوزية” و”الوصولية” التي تجتاح الدولة والمجتمع.. وفي هذا السياق، يصبح الغش مجرد “قفوزية” تقنية يمكن ردعها بأجهزة المراقبة، وليس سلوكا يعكس خللا في المنظومة القيمية برمتها.

إن التعامل مع الغش كأزمة تقنية بحتة هو هروب من مواجهة الإشكالات الحقيقية، لأن معالجة الظاهرة تستدعي إعادة النظر في ثقافة النجاح ذاتها، وفي القيم التي تنقلها المدرسة للمتعلمين. فالمدرسة المغربية، كما تعكس صورة المجتمع، بحاجة إلى استعادة الثقة والقيم الأخلاقية والسلوك المدني، وإلا فإننا سنظل نعالج الأعراض ونتجاهل المرض العميق.

في خضم هذا المشهد، يطرح الفاعلون التربويون جملة من المطالب الملحة، أبرزها ترشيد زمن الامتحانات، بحيث يتناسب مع الأهداف التعليمية الحقيقية، مع التخفيف من الأعباء الإضافية غير المبررة على الأساتذة والإداريين، وإعادة النظر في نظام التقويم، باعتماد تقويم متنوع ومستمر يراعي الفروق الفردية بين التلاميذ، ويخفف من التركيز المفرط على الامتحانات الكتابية النهائية..مع مراعاة الظروف الإنسانية للكوادر التربوية، وتوفير ظروف عمل ملائمة، خصوصا في المناطق القروية التي تعاني من نقص حاد في الموارد والبنية التحتية.. والأهم ضرورة فتح نقاش موسع مع جميع الشركاء الاجتماعيين والمؤسساتيين، لوضع آليات جديدة لتدبير الامتحانات تعزز المصداقية، وتراعي سلامة التلاميذ النفسية والاجتماعية، وتضمن العدالة والإنصاف بين جميع المؤسسات التعليمية.

وفي خضم هذه المطالب، تبرز ضرورة ملحة لتجاوز المقاربات الظرفية، والانتقال إلى بلورة ميثاق وطني لتدبير الامتحانات، يُرفَق بخارطة طريق واضحة، تحدد الأطر الزمنية والتنظيمية، وتوزيع المسؤوليات، وتضع آليات للتقييم المستمر والتقويم البديل، بما يضمن الإنصاف ويصون كرامة الجميع. وهنا يقع على عاتق النقابات التعليمية، مسؤولية تاريخية تتجاوز لغة البيانات والخطاب الاحتجاجي، نحو المساهمة الفاعلة في بلورة تصورات عملية وإجابات موضوعية عن اختلالات تدبير الامتحانات، والاشتغال على مقترحات بديلة توفق بين أداء الواجب المهني، والحرص على عدم التفريط في الحقوق المكفولة للأساتذة والإداريين. فالنقابة ليست فقط صوتا للمطالب وانتاج الخطاب الاحتجاجي، بل شريكا في بناء الحلول، ومختبرا للأفكار التي تعيد الاعتبار للامتحان كأداة تقويمية، لا كمعركة تنهك الفاعلين التربويين.

الامتحانات الإشهادية هي استحقاق وطني يتطلب تعبئة الجميع لإنجاحه، وهذا مما لا إختلاف فيه، ولكن لا يمكن أن يكون ذلك على حساب صحة وسلامة الفاعلين التربويين والمتعلمين. والحل ليس في خوض حروب الامتحانات الإشهادية على طريقة “حرب النجوم”، بل في الاعتراف بأزمة القيم والسلوك المدني داخل المدرسة المغربية، والعمل على استعادة الثقة والكرامة الإنسانية في قلب المؤسسة التعليمية.

إن بناء مدرسة عمومية ديمقراطية تحترم الإنسان، وتضع مصلحة المتعلم والأستاذ والإداري في صلب اهتماماتها، هو السبيل الوحيد لتجاوز هذه الأزمات المتكررة. مدرسة تعيد للامتحان قيمته البيداغوجية، وتجعله محطة تقويمية حقيقية لا غاية تبرر التضحية بالاستقرار النفسي والمهني للجميع.

فهل نحن مستعدون لإنهاء هذه الحروب، والبدء في بناء مدرسة تسمو بالقيم قبل النتائج؟

وخلاصة القول، إن ما تعيشه المؤسسة التعليمية من توتر وإرهاق خلال الامتحانات الإشهادية ليس مجرد أزمة تنظيمية طارئة، بل هو مؤشر واضح على أزمة بنيوية تعكس اختلالات مجتمعية عميقة، تتقاطع فيها القيم التربوية مع الثقافة الاجتماعية والسياسية السائدة، بل وطبيعة النظام السياسي واختياراته في التعليم.

ومن هذا المنطلق، وكأستاذ ممارس لحقي في المواطنة المهنية، والتي لا تسقطها كل اعطاب العمل النقابي ببلادنا ، ومنخرط في دينامية خدمة عمومية تطوعية في نقابة الجامعة الوطنية للتعليم (FNE – التوجه الديمقراطي)، فإنني أؤكد أن تجاوز هذه الاختلالات يبقى رهينا بمدى قدرة الدولة والفاعلين التربويين على تجاوز منطق التدبير البيروقراطي الضيق، والانفتاح على حوار جاد وشامل، يضع مصلحة المتعلم وسلامة الأستاذ في صلب أولوياته. فالمطالب التي نرفعها – بترشيد الأعباء، وتنويع التقويم، وتحسين ظروف العمل – ليست مجرد شعارات نقابية، بل هي جوهر رسالتنا التربوية، لأن كرامة الأستاذ وسلامة المتعلم أولوية تربوية وإنسانية وحقوقية.

أما عن سؤال “هل نحن مستعدون لإنهاء هذه الحروب؟”، فجوابه يتجسد في الدفاع المستمر عن مدرسة عمومية ديمقراطية شعبية تحترم الإنسان.. فالاستعداد الحقيقي يبدأ بالاعتراف بأن الغش والإرهاق ليسا نتاج أفراد، بل نتاج منظومة سياسية فاسدة، وثقافة مجتمعية مهووسة بالنتائج وتتجاهل الوسائل والأخلاق، ومن هنا، فإن نضالاتنا ليست دفاعا عن فئة مهنية فقط، بل هي مشروع مجتمعي يهدف إلى رد الاعتبار للإنسان، قبل أن يكون تلميذا أو أستاذا أو إداريا..فأزمة التعليم اليوم هي ازمة نسق سياسي واختيارات رسمية، وحروب الإمتحانات الإشهادية واحدة من تعبيراته.







تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.