السبت 12 سبتمبر 2026| آخر تحديث 4:51 09/11



الحملة الانتخابية بين المال والسمسرة ورهان مغرب المؤسسات

الحملة الانتخابية بين المال والسمسرة ورهان مغرب المؤسسات

ذ. عبد الله ونعيم

أفواج من الشبان والشابات يتجولون في الأزقة والأسواق والمحطات والطرقات، يحملون أوراق وصور بعض المرشحين، ويوزعون المنشورات على المواطنين، في مشهد أصبح مألوفاً خلال الحملات الانتخابية.
مظهر بعض هؤلاء، وطريقة تحركهم، والخطاب الذي يرافقهم، يعطي أحياناً صورة بعيدة عن الوقار والحشمة التي يفترض أن ترافق ممارسة سياسية يفترض أن يكون جوهرها خدمة المواطن والدفاع عن المصلحة العامة. همّ بعضهم الوحيد هو الدرهم؛ اليوم يصفقون لهذا، وغداً قد يضحكون مع ذاك، فالمهم بالنسبة إليهم هو المقابل المادي.
فـعن أي مواطن نتحدث؟ وماذا ننتظر من مثل هذه النماذج؟
لقد أصبحت بعض الأزقة في تزنيت خلال هذه الفترة القصيرة مسرحاً لفتح مقرات انتخابية مؤقتة، أشبه بـ”دكاكين” تجمع مختلف الأشخاص حول مرشح أو حول مصلحة معينة. وفي بعض الحالات تظهر حول هذه الدكاكين حلقات هرمية من الولاءات: زعماء التلون الحزبي، ثم معاونون، ثم أتباع ووسطاء، ثم بيادق انتخابية، وكل فئة تنتظر نصيبها من كعكة المال.
وهناك نماذج أخرى لا تقل خطورة، أقصد بها بعض السماسرة والوسطاء الانتخابيين الذين يختارون العمل بشكل فردي. يقتربون من هذا المترشح أو ذاك، ويقدمون وعوداً باستقطاب الناخبين والتأثير في هذا الحي أو تلك المنطقة، ويصورون أنفسهم وكأنهم يمتلكون قدرة كبيرة على جمع الأصوات.
لكن هدف بعض هؤلاء، في نهاية المطاف، ليس خدمة المترشح ولا الدفاع عن برنامج سياسي، وإنما المال، ثم المال، ثم المال.
يقدم الوعود، يحصل على ما يستطيع الحصول عليه، ثم لا يلبث أن يبحث عن مترشح آخر أو “ضحية” أخرى، ليعيد العملية نفسها. وهكذا تتحول الحملة الانتخابية، بالنسبة إلى هؤلاء، من مناسبة للتنافس حول البرامج والكفاءات إلى مجال للسمسرة والمساومة وتحقيق المصالح الشخصية.
وفي المقابل، هناك نماذج أخرى، وللأسف، من فئات ميسورة اختارت لنفسها لغة الخطاب والتمثيل، ورسمت خططاً للوصول للغنيمة. ولا تكمن المشكلة في امتلاك تكتيكات التأثير والإمكانيات أو في القدرة على الإقناع ، فهذا حق مشروع، وإنما تكمن الخطورة عندما تتحول الوعود إلى سراب و يبقى المرشح عرضة للتهكم يعد ظهور النتائج و ينصرف كل واحد إلى أموره.
فـعن أي مواطن نتحدث؟ وعن أي مواطنة؟ وعن أي ديمقراطية؟ وعن أي تنمية؟
نحن في القرن الحادي والعشرين، زمن الإنترنت والذكاء الاصطناعي والمنصات الرقمية ووسائل التواصل الاجتماعي، ومع ذلك ما زلنا في كثير من الأحيان ندير الحملات الانتخابية بالمنشورات الورقية، والوسطاء، والسماسرة، والجولات في الأزقة، وفتح المقرات المؤقتة.
لماذا لا ننتقل إلى مرحلة أكثر حداثة؟
لماذا لا يتم تنظيم مناظرات انتخابية مباشرة بين المترشحين، يشرح فيها كل واحد برنامجه، وأولوياته، ومشاريعه، والتزاماته أمام المواطنين؟
لماذا لا يتم توظيف العالم الرقمي في الحملات الانتخابية، حتى يتمكن المواطن من الاستماع إلى البرامج ومناقشتها ومقارنتها، وطرح أسئلته مباشرة على المرشحين؟
أليس من حق المواطن أن يعرف: ماذا سيقدم هذا المرشح؟ وما هي أولوياته؟ وما هي رؤيته لتنمية المدينة والقرى والمراكز؟ وكيف سيترافع عن مصالح الإقليم؟ وما الذي يمكنه تحقيقه فعلاً، بعيداً عن الشعارات والوعود؟
إن الديمقراطية ليست مجرد منشورات وصور وشعارات، وليست مجرد تجمعات موسمية تظهر قبل الانتخابات وتختفي بعدها.
الديمقراطية الحقيقية تبدأ بالتأطير السياسي، وبناء الوعي الانتخابي، وتقديم البرامج، واحترام عقل المواطن، وربط المسؤولية بالمحاسبة.
وهنا يطرح سؤال جوهري نفسه: أين التأطير السياسي أساساً؟ وأين المقاربة المؤسساتية في تدبير الحملات الانتخابية؟
إن الأحزاب السياسية مطالبة بأن تلعب دورها الحقيقي في تأطير المواطنين، وتكوين مناضليها، وتقديم الكفاءات، والدفاع عن البرامج والمشاريع، بدل ترك المجال مفتوحاً أمام الوسطاء والسماسرة وأصحاب المصالح الضيقة.
كما أن المواطن نفسه مطالب بأن يرفض أن تتحول صوته إلى سلعة، وأن يدرك أن الورقة التي يضعها في صندوق الاقتراع ليست مجرد ورقة، وإنما هي اختيار لمستقبل المدينة والإقليم والوطن.
نحن بحاجة إلى الانتقال من منطق الأشخاص إلى منطق المؤسسات، ومن منطق التسول والجري وراء المال إلى منطق البرامج، ومن منطق الولاءات إلى منطق الكفاءة، ومن منطق السمسرة إلى منطق المسؤولية.
نتمنى أن تتدخل مؤسسات الدولة، كل في حدود اختصاصه، من أجل ترسيخ ممارسة انتخابية أكثر شفافية ونزاهة، وأن تساهم الأحزاب والمجتمع المدني والإعلام في بناء وعي انتخابي جديد.
نريد مغرباً لا يكون فيه النجاح الانتخابي رهيناً بالمال والوسطاء والسماسرة، وإنما بالكفاءة والبرنامج والثقة والمصداقية.
نريد مغرب المؤسسات، مغرب الوضوح، مغرب البرامج، مغرب المسؤولية، ومغرب الاختيار للأفضل.







تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.