فقد تتعب قدماك من الدوران حول السؤال، قبل أن تعثر على إجابة واحدة لا تشبه أخواتها.
هنا، يا صديقي، كل شيء قابل للاستنساخ.
الوجوه تستنسخ الوجوه، والخطابات تستنسخ الخطابات، والوعود تخرج من القوالب ذاتها، حتى أصبحنا لا نعرف: أهذه بلادنا حقاً، أم صورة متأخرة لبلادٍ أخرى سبقتنا إلى الخيبة؟
في زمن الاستنساخ، لم يعد الوطن يحتاج إلى حدود كي نعرفه؛ يكفي أن ترى طابوراً طويلاً من المواطنين ينتظرون دورهم أمام باب مغلق، أو تسمع خطاباً سياسياً يبدأ بالأمل وينتهي بالصمت، أو تقرأ عن مشروع جديد يشبه مشروعاً قديماً مات قبل أن يولد.
الوطن، في هذه الحالة، لا يموت.
وهذه هي المشكلة.
إنه يبقى حياً بما يكفي لكي يطالبك بحبه، وميتاً بما يكفي لكي يمنعك من تصديق مستقبله.
نحن أبناء وطنٍ غريب؛ نولد فيه محمّلين بحكايات الأجداد، ثم نكبر فنكتشف أن الحكاية لم تعد تكفينا. يقال لنا:
هذا وطنكم، فنقبض على التراب كأننا نقبض على الحقيقة. ثم يأتي الزمن الحديث ليخبرنا بأن التراب وحده لا يصنع وطناً، وأن الوطن ليس خريطة معلقة على جدار، ولا نشيداً نردده حين يطلب منا أحد أن نثبت وطنيتنا.
الوطن سؤال..أجل، الوطن سؤال؛ وكل وطن يخاف من السؤال، يبدأ باستنساخ الأجوبة.
وهكذا يصبح المواطن نسخةً عن مواطن سبقه، والمسؤول نسخةً عن مسؤول قبله، والحزب نسخةً عن حزب آخر، والمعارضة نسخةً عن السلطة، حتى يغدو الاختلاف نفسه مستنسخاً!
يا لها من مفارقة!
نختلف بالطريقة نفسها.
نحتج بالطريقة نفسها.
نصفق بالطريقة نفسها.
ونحلم، حتى في أحلامنا، بما تسمح لنا به النسخة الأصلية.
لقد دخل الاستنساخ إلى أعماقنا دون أن نشعر. لم يعد يستنسخ الأشياء فقط؛ صار يستنسخ الإنسان. استنسخ خوفه، وطموحه، وجرأته، وحتى خيبته.
ولذلك لم يعد السؤال:
من يحكم الوطن؟
بل أصبح السؤال الأكثر قسوة:
أيُّ وطنٍ بقي لنا لكي نحكم عليه أو نعارضه؟.
الوطن الحقيقي ليس ذلك الذي يطلب منك أن تصفق له، وإنما ذلك الذي يسمح لك بأن تقول له: أخطأت.
ليس الوطن الذي يملأ الشوارع بصور الزعماء، وإنما الذي يستطيع المواطن فيه أن يرى صورته هو في مرآة الدولة.
ليس الوطن الذي يكثر فيه الحديث عن الكرامة، وإنما الذي لا يضطر فيه الإنسان إلى استجدائها.
وليس الوطن الذي يطلب من أبنائه أن يموتوا من أجله، وإنما الذي يجعل الحياة فيه جديرة بأن تُعاش.
أما وطن الاستنساخ، فيفعل شيئاً آخر:
يُكثر من الكلام عن المستقبل، ثم يعيد إنتاج الماضي.
يعدنا بالتغيير، ثم يغيّر أسماء الأشياء فقط.
يحدثنا عن الإنسان، ثم ينسى الإنسان.
يضع المستقبل على الملصقات، والماضي في المؤسسات.
وحين نسأل:
أين الحقيقة؟
يقال لنا:
لا تكثروا من الأسئلة.
كأن الحقيقة خطأ إداري.
كأن الوطن غرفة مغلقة، ومفتاحها في جيب أحدهم.
لكن الحقيقة، يا صديقي، لا تسكن المكاتب.
الحقيقة تسكن ذلك الشاب الذي ينظر إلى البحر طويلاً لأنه لم يعد يرى في الضفة التي يقف عليها مكاناً لحلمه.
تسكن الأم التي تبيع ذهبها كي تشتري لابنها تذكرة إلى المجهول.
تسكن الأستاذ الذي يواصل التدريس رغم أنه يعرف أن الكلمات التي يزرعها في عقول تلاميذه أكبر من المدرسة التي تحتضنهم.
تسكن العامل الذي يعود مساءً وفي يده أجر لا يكفيه كي يشعر بأنه عاش يوماً كاملاً.
تسكن المثقف الذي يكتب، ثم يكتشف أن الورق أكثر وفاءً من القراء.
هؤلاء هم الوطن.
أما النسخ الرسمية للوطن، فتُعلّق على الجدران.
والمؤلم أن قرننا هذا جاء محمولاً على أسطورة التكنولوجيا؛ كنا نظن أن العالم الجديد سيمنحنا الحقيقة، فإذا به يمنحنا آلاف النسخ منها.
صرنا نملك كل شيء إلا اليقين.
صورة الوطن في الهاتف.
صورة الوطن في التلفاز.
صورة الوطن في الخطاب؛ وفي خطب يوم الجمعة المكيفة على المقاس، سلاما وليشرب المواطن البحار.!.
وليس بعيدا عن صورة الوطن في مواقع التواصل.
لكن أين الوطن نفسه؟
ربما ضاع بين كل هذه الصور.
ربما أصبحنا نعيش في وطنٍ افتراضي أكثر مما نعيش في وطنٍ حقيقي.
نغضب في الفضاء الأزرق، ونفرح في الفضاء الأزرق، ونخوض معاركنا في الفضاء الأزرق، ثم نعود إلى الشارع فنجد أن شيئاً لم يتغير.
لقد استنسخنا حتى الثورة.
وأصبح الغضب نفسه قابلاً للمشاركة والإعجاب وإعادة النشر، ثم النوم.
وهنا تكمن مأساة الإنسان المعاصر:
أنه يستطيع أن يقول كل شيء، لكنه لا يستطيع دائماً أن يغيّر شيئاً.
لذلك لا تبحث عن الحقيقة في وطنٍ مستنسخ.
ابحث عنها في الإنسان.
في صمته.
في عينيه.
في خيبته التي لا يعلنها.
في ذلك الحب الغامض الذي يجعله، رغم كل شيء، يعود كل صباح إلى وطنٍ خذله كثيراً ولم يستطع أن يخونه.
ذلك هو الوطن الذي لم تستطع ماكينة الاستنساخ أن تقتله.
الوطن الذي يسكن في الذاكرة، لا في الشعارات.
الوطن الذي يشبه الأم أكثر مما يشبه السلطة.
الوطن الذي قد نختلف مع حكوماته، وأحزابه، ومؤسساته، وسياساته، لكننا لا نستطيع أن نختلف مع ترابه حين تنادينا رائحة الخبز، أو أغنية قديمة، أو شجرة تركناها خلفنا، أو قبرٌ يحمل اسم من أحببنا.
هناك، فقط، أفهم الوطن يا معشر من لا يفهمونني عنوة.
ليس بوصفه أسطورةً مكتملة، ولا بوصفه نسخةً جاهزة، وإنما بوصفه مشروعاً ناقصاً يحتاج إلينا كما نحتاج إليه.
فالوطن لا يصبح عظيماً لأنه لا يخطئ؛
بل لأنه يمتلك شجاعة الاعتراف بأخطائه.
ولا يصبح حقيقياً لأنه يكرر صورته أمامنا كل يوم؛ بل لأنه يسمح لنا بأن نعيد رسمه.
فلنمزق إذن النسخة المعدلة ما هم..!.
لنعد إلى الأصل.
والأصل ليس علماً ولا شعاراً ولا خطاباً.
الأصل هو الإنسان.
فإذا ضاع الإنسان، بقيت لنا البلاد بلا وطن.
وإذا استُنسخ الإنسان، صار الوطن مجرد نسخةٍ أخرى من شيءٍ لا نعرف أين كان أصله.
لهذا، لا تحاول” يا أنا”، البحث عن الحقيقة في وطنٍ محمول على قرننا الأسطوري..!
ابحث عنها في أول مواطنٍ يرفض أن يكون نسخة.
فربما يبدأ الوطن الحقيقي هناك.
من إنسانٍ واحد قال:
لا أريد أن أشبهكم جميعاً.
أريد فقط أن أشبه نفسي.
الدكتور عبدالسلام فزازي..باريس
*- إلى كل من أحبني يوما ولم يندم ..وأحببته ولم أندم؛ لأن الوطن كان ثالثنا..



تعليقات