سعيد.ر – تيزبريس
في مشهد يثير القلق والاستغراب، تعيش جمعيات النقل المدرسي بإقليم تيزنيت على وقع أزمة مالية خانقة، بسبب التأخر غير المبرر في صرف الدفعة الثانية من المنحة المخصصة للموسم الدراسي 2025/2026. أزمة تتفاقم يوما بعد يوم، لتكشف عن تقاطُع في المسؤوليات بين عدة أطراف، غابت عنها روح التنسيق وحسّ المسؤولية والتدابير الاستباقية، في وقتٍ بات فيه الحديث عن دخول مدرسي مقبل “كارثي” يهدد آلاف التلاميذ في العالم القروي أمرا واقعيا.. وليس مجرد سيناريو افتراضي.
فبينما وجّه المجلس الإقليمي، استنادا إلى مراسلة المديرية الإقليمية للتربية الوطنية في فاتح يوليوز 2026، دعوة عاجلة للجمعيات من أجل الانخراط في عملية تحسيس الأسر وتعبئة المتدخلين، يُفاجأ رؤساء هذه الجمعيات بأنفسهم مطالبين ببذل جهود مضاعفة، في وقت لا تزال فيه مستحقاتهم المالية مجمّدة منذ شهور، والديون تتراكم، وأجور السائقين متوقفة، وفواتير الوقود والصيانة والتأمين بلا تسديد.
لقد سبق للمجلس الإقليمي أن بادر، مطلع السنة الجارية، بصرف الجزء الأول من المنحة، مع تعهّدات واضحة بصرف الشطر الثاني خلال الأشهر القليلة التالية. غير أن تلك الوعود بقيت حبرا على ورق، وأصبحت الجمعيات اليوم تعيش مأزقا حقيقيا يهدد قدرتها على الاستمرار في أداء خدمة النقل المدرسي، التي تعتبر شريانا حيويا للتمدرس في المناطق النائية.
وهنا يبرز السؤال الأهم: أين دور المديرية الإقليمية للتربية الوطنية؟ فالمديرية ليست مجرد وسيط لإرسال المراسلات أو جهة توجيهية تكتفي بإصدار التوصيات، بل هي المسؤول الأول عن تتبع ملف الدعم الاجتماعي، وعن التنسيق بين مختلف المتدخلين لضمان استمرارية الخدمات التربوية. ومن المفترض أن تكون المديرية هي الطرف الأكثر حرصا على نجاح عملية النقل المدرسي، لأن فشلها يعني انهيارا لجهود تمدرس الفئات الهشة، وهدرا مكلفا لمكتسبات سنوات من العمل.
فهل قامت المديرية الإقليمية بتوجيه مراسلات رسمية إلى عامل الإقليم والمجلس الإقليمي، محمّلة إياهما مسؤولية التأخير في صرف المنح؟ هل فتحت قنوات حوار جادة لحلحلة الأزمة، أم اكتفت بدور المراقب الصامت الذي ينتظر انتهاء الأمور بنفسها؟
إن غياب أي مبادرة واضحة من طرف المديرية في هذا الملف، يُعدّ تخليا عن دورها المحوري، ويُحمّلها جزءا كبيرا من المسؤولية في أي انهيار محتمل لخدمة النقل المدرسي في شتنبر المقبل. فالمديرية اليوم مدعوة أكثر من أي وقت مضى إلى تحميل كل الجهات المسؤولة مسؤوليتها، والضغط بقوة على المجلس الإقليمي والعامل لاستيفاء التزاماتهما المالية، وإلا فستكون شريكة في الكارثة التربوية المقبلة.
من جهة أخرى، أين دور عامل تيزنيت؟ بصفته الممثل السامي للدولة، والمسؤول الأول عن تنسيق السياسات العمومية بالإقليم، كان من المفترض أن يضع هذا الملف على رأس أولوياته، وأن يتدخل فورا لتذليل العقبات الإدارية والمالية، بدلا من الصمت المُريب الذي يزيد من تعقيد الأزمة. إن صمته اليوم يُقرأ كتخليٍ عن مسؤولية اجتماعية كبرى تجاه أبناء العالم القروي..
وأين دور المجلس الإقليمي في الوفاء بالتزاماته المالية؟ فالمجلس، الذي كان السبّاق إلى صرف الدفعة الأولى، أصبح اليوم طرفا رئيسيا في تعطيل استمرارية هذا المرفق الحيوي، جراء تأخيره غير المبرر في صرف الدفعة الثانية. إن استمرار هذا التأخير يُفقد الجمعيات ثقتها في المؤسسات المنتخبة، ويهدد قدرتها على الاستمرار، بل ويقوّض مصداقية المجلس نفسه.
وفي خضم هذا التقاعس ، يطرح رؤساء الجمعيات سؤالاً لا يقل أهمية، أين دور الفيدرالية الوطنية لجمعيات آباء وأمهات وأولياء التلاميذ – فرع تيزنيت؟ فغياب أي موقف أو مبادرة واضحة من طرف الفيدرالية، سواء عبر مراسلة المسؤولين، أو فتح حوار جاد مع المجلس والعامل والمديرية، أو إصدار بلاغات تحمّل الأطراف المعنية مسؤولياتها، يطرح علامات استفهام كبيرة حول فعالية هذه الهيئة في الدفاع عن مصالح منتسبيها. فالدور الترافعي يقتضي التحرك في مثل هذه الأزمات، لا سيما أن الملف يهم استمرارية مرفق يؤثر بشكل مباشر على مستقبل أبناء الإقليم.
ومن المهم التذكير بأن خدمة النقل المدرسي تُعدّ من الاختصاصات الأصيلة التي خولها المشرع لمجالس العمالات والأقاليم، وهي ليست مجرد صلاحية إدارية جامدة، بل مسؤولية اجتماعية كبرى، لأنها تؤثر بشكل مباشر في الحياة المدرسية والتعليمية بصفة عامة. فهي إحدى آليات الدعم الاجتماعي الأكثر فعالية، حيث صُممت لتذليل المعيقات السوسيواقتصادية والجغرافية التي تحول دون تمدرس الأطفال المنحدرين من أسر هشة، وتعمل على تعزيز مبدأ تكافؤ الفرص في الولوج إلى التعليم الإلزامي. كما تُعتبر هذه الآلية درعا حقيقيا في وجه الهدر المدرسي والانقطاع المبكر عن الدراسة، وخاصة في صفوف الفتيات، اللواتي يُعدّن الأكثر تضررا من غيابها، والأكثر استفادة من استمراريتها، خاصة في العالم القروي الذي يشهد أعلى نسب الهدر المدرسي.
إن جمعيات النقل المدرسي ليست جمعيات عادية، بل هي شريك أساسي في المنظومة التربوية، وتؤدي خدمة عمومية حيوية تضمن حق آلاف التلميذات والتلاميذ، خاصة في العالم القروي، في الولوج إلى المؤسسات التعليمية. ولولا هذه الجمعيات، لارتفعت نسب الانقطاع عن الدراسة بشكل كبير، ولتحوّلت أحلام أبناء الدواوير إلى سراب، ولفُقدت سنوات من العمل في محاربة الهدر المدرسي وتشجيع تمدرس الفتيات وتحقيق العدالة المجالية.
وتتفاقم الأزمة مع اقتراب موعد عقد الجموع العامة السنوية، حيث ستجد العديد من الجمعيات نفسها أمام وضع مالي مقلق يصعب تبريره في تقاريرها المالية، ما قد يهدد قدرتها على مواصلة أداء رسالتها في الموسم الدراسي القادم. والأخطر من ذلك، أن استمرار هذا الجمود يعني أننا سنكون أمام دخول مدرسي كارثي في الوسط القروي، حيث سيفاجأ التلاميذ وأسرهم بغياب خدمة النقل المدرسي، واضطرار الأسر لتحمل أعباء إضافية قد تدفع الكثير منهم إلى الانقطاع عن الدراسة نهائيا..
إن المرحلة الراهنة تتطلب تحركاً عاجلاً ومسؤولاً من كل الأطراف، فعلى المديرية الإقليمية للتربية الوطنية أن تتحرك فورا، وتخرج عن صمتها، وتتحمل مسؤوليتها في تنسيق الجهود، وتحمل المجلس الإقليمي والعامل مسؤوليتهما أمام استمرارية الخدمة، وأن ترفع تقاريرها إلى الوزارة الوصية لفضح أي تقاعس يهدد الموسم الدراسي المقبل..وعلى عامل تيزنيت أن يتدخل بحسم لتذليل العقبات الإدارية والمالية، ووضع هذا الملف في صلب أولوياته التنفيذية، لأنه مسؤول عن الاستقرار الاجتماعي والتربوي بالإقليم..وعلى المجلس الإقليمي أن يُسارع بصرف الدفعة الثانية من المنحة، وأن يفي بوعوده التي قطعها على نفسه منذ أشهر، لأن استمرار التأخير يُعد إخلالاً بالثقة وتفريطاً في مرفق حيوي..وعلى الفيدرالية الوطنية – فرع تيزنيت أن تنهض بدورها الترافعي، وتتحرك بشكل جاد، وتصدر بيانات وتنظم لقاءات مع كل الأطراف المعنية.
فهل ستتحرك هذه الأطراف أخيرا لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، أم ستترك آلاف التلاميذ والتلميذات رهينة أزمة إدارية ومالية قد تكلفهم مستقبلهم الدراسي؟ وهل سنكون أمام دخول مدرسي طبيعي، أم أمام كارثة حقيقية في العالم القروي؟
أسئلة تنتظر إجابات عملية، لأن موعد الدخول المدرسي بات وشيكا، ولأن حق التلميذ القروي في التعليم لا يحتمل التسويف ولا المزايدات ولا التأجيل.



تعليقات