الأحد 1 نوفمبر 2026| آخر تحديث 12:28 11/01



​تيزنيت واقتصاد الافتراس وأعيانه: الريع ، التهرب الضريبي، وغياب اقتصاد محلي يصنع الثروة.

​تيزنيت واقتصاد الافتراس وأعيانه: الريع ، التهرب الضريبي، وغياب اقتصاد محلي يصنع الثروة.

سعيد رحم.

​تُعد مدينة تزنيت، بحكم موقعها الجغرافي، واحدة من الحواضر الواعدة بجهة سوس ماسة..غير أن المسار التنموي للمدينة يظل محكوما بإشكالات بنيوية تعيق تحولها إلى قطب اقتصادي حقيقي..وفي صلب هذه الإشكالات يبرز ما يمكن اصطلاحه بـ “اقتصاد الافتراس” (L’économie de prédation)، وهو نمط ريعي لا يراهن على الابتكار أو المغامرة الاستثمارية المنتجة، بقدر ما يقتات على امتيازات الإعفاءات، والرخص الاستثنائية، والمضاربة في العقار.
ف​المشكلة الحقيقية والعميقة التي تعاني منها تيزنيت تكمن في كونها ما زالت تفتقر إلى اقتصاد محلي حقيقي ينتج الثروة ويخلقها.. فعوض أن تكون المدينة فضاء لاستثمارات منتجة تحرك عجلة التنمية وتستوعب الطاقات، تم إفراغ نسيجها الاقتصادي من دوره الحقيقي ليتحول إلى فضاء مستهلك ومبني على الدورات الريعية القصيرة.. وغياب مشاريع مهيكلـة تصنع القيمة المضافة الحقيقية جعل المدينة تدور في فلك اقتصاد الخدمات السطحية والتجارة الموسمية، عاجزة عن الإقلاع الاقتصادي الذاتي.

و​في ظل هذا الفراغ الإنتاجي، تتفنن شبكات “اقتصاد الافتراس” في إبداع حيل للتهرب الضريبي.. حيث يعمد بعض المنعشين ولوبيات العقار إلى البحث عن فرص الاعفاءات الضريبية عن الاراضي غير المبنية، أو اقتناء أراض و تصنيفها ضمن الأراضي الفلاحية، مستفيدين من الإعفاءات والامتيازات الضريبية المرتبطة بالقطاع، رغم أن الغاية الحقيقية منها هي المضاربة والتخزين في انتظار تحويل صفتها لاحقا أو إعادة بيعها بأسعار فلكية.
هذا التحايل القانوني، بتواطؤ مع منتخبين، يحرم الجماعة الترابية من مداخيل جبائية مهمة، ويحول الأراضي إلى مجرد “ملاذات آمنة” لتجميد الأموال بعيدا عن الرقابة والمساهمة التنموية العادلة.

​لا يقتصر الأمر على العقار الحضري فحسب، بل يمتد ليشمل​استغلال امتيازات المشاريع الفلاحية و تحويل الدعم والامتيازات الموجهة أساسا لتشجيع الاستثمار الفلاحي المنتج إلى وسيلة لاحتكار الأراضي أو افتراس الدعم الموجه للمخططات الفلاحية.
كما لم تسلم ​مشاريع الشريط الساحلي لأكلو والمركبات السياحية من هذا الواقع الرمادي، حيث الإقبال المحموم من لدن شبكات المصالح للاستفادة من امتيازات العقار أو الترخيص لمنتجعات وإقامات سكنية موجهة للريع، بعيدا عن أي رؤية سياحية أو تنموية مستدامة تخدم الساكنة المحلية أو حتى تحترم ذفتر تحملات بيئية، بل إن بعض هذه المشاريع ترزح تحت اختلالات قانونية وعقارية خطيرة جعل بعضها الى حدود اللحظة في موقف ملتبس قانونيا وعقاريا تورط فيها أعيان وشخصيات نافذة وخاصة التي تختلط فيها اطماع الشركات العقارية والوداديات السكنية.
هذا المشهد البانورامي للمدينة يسير بمنطق “لا تجازف.. ابحث عن الاستثناء”..و​يقوم هذا النموذج الاقتصادي على الاستفادة القصوى من الثغرات الإدارية وشبكات العلاقات والقرب من دوائر القرار.. فبدلا من التنافس الشريف في سوق تحكمه ضوابط قانونية وأخلاقية، يعتمد لوبي الريع على
​شبكة الإعفاءات والرخص الاستثنائية، وتفصيل مذكرات وتصاميم التعمير على مقاس جهات نافذة..مع غياب أي استعداد لتحمل مخاطر الاستثمار المنتج والشعار الدائم لهؤلاء هو “لا تجازف، استثمر فقط حيث توجد الثغرات القانونية والريع الجاهز”.
​
​إن سيادة هذا المناخ المحلي المطبوع بالافتراس الاقتصادي له تكلفة باهظة على المدينة، ويتجلى ذلك في ​غياب اقتصاد محلي حقيقي ينتج الثروة ويضمن الاستدامة، مع بقاء المدينة رهينة للقطاعات الهشة..و​حرمان خزينة الجماعة والدولة من المداخيل عبر التهرب الضريبي..و​تأجيج أزمة العقار والسكن وإعاقة الاستثمار الجاد، مما يدفع بالكفاءات ورؤوس الأموال الحقيقية إلى الهروب نحو مناطق أخرى.
​
ضرورة​ كسر شوكة اقتصاد الافتراس وتجاوز عقم غياب اقتصاد منتج للثروة بالمدينة، لم يعد ترفا فكريا، بل هو معركة مصيرية تتطلب إرادة حقيقية لفرض الشفافية، محاربة أشكال التحايل الضريبي والعقاري، وتوجيه بوصلة الاستثمار نحو المجالات المنتجة حقا، لا تلك المصنوعة في كواليس الريع والاستثناءات.







تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.