الخميس 1 أكتوبر 2026| آخر تحديث 10:55 09/30



قنبلة الفلاحة تتفجر من جديد/اتهامات وهبي والمهاجري تحاصر أخنوش.وتيزنيت الشاهد الحي على استنزاف المال العام

قنبلة الفلاحة تتفجر من جديد/اتهامات وهبي والمهاجري تحاصر أخنوش.وتيزنيت الشاهد الحي على استنزاف المال العام
​عاد النقاش الساخن من جديد ليتصدر المشهد السياسي والإعلامي المغربي بشأن الفضائح المالية الكبرى والشبهات المستمرة التي تلاحق وزارة الفلاحة، وسط اتهامات متزايدة من طرف برلمانيين وسياسيين حول وجود تجاوزات مالية واستغلال لنفوذ وموارد القطاع الفلاحي. وفي هذا السياق، خرج هشام المهاجري، عضو المكتب السياسي لحزب الأصالة والمعاصرة، بتصريحات حادة اعتبر فيها أن التحالف مع حزب التجمع الوطني للأحرار بعد ما جرى خلال الولاية الحكومية السابقة يعد “مغامرة”، مؤكداً أن تسريباتهم أظهرت بوضوح رغبتهم في استمرار الهيمنة على القطاعات الاقتصادية الحيوية ومناقشة وزارة المالية قبل نتائج الانتخابات، ومشدداً على أن وزارة الفلاحة التي ظلت تحت تدبير الأحرار ونفوذ رئيسه عزيز أخنوش لما يقارب عشرين سنة أصبحت تتطلب بضرورة ملحة إحداث تغيير جذري ومعرفة تفاصيل ودقائق ما جرى داخل كواليسها، واصفاً هذا التشبث بكونه ينم عن معرفة دقيقة من جانب أخنوش بـ”من أين تؤكل الكتف”، وهو ما يحمل رسالة سياسية تؤكد أن قطاع الفلاحة يخبئ قنبلة موقوتة من الفساد وتبديد المال العام تضع اليد مباشرة على الجرح الغائر الذي لم يتوقف عن النزيف.
​غير أن هذا الهجوم الكاسح الذي قاده المهاجري ليس سوى حلقة جديدة في مسلسل الاتهامات السياسية تجاه هذا القطاع؛ فقد سبق لعبد اللطيف وهبي القيادي بحزب الأصالة والمعاصرة سنة 2021 وقبل تصريحات المهاجري، أن وجه اتهامات صريحة ومباشرة لعزيز أخنوش، بصفته وزيراً للفلاحة والصيد البحري والتنمية القروية والمياه والغابات، باستغلال أموال الدولة ووزارة الفلاحة لأهداف انتخابية وشخصية، موضحاً أن مجموعة من المدراء الجهويين للوزارة يقومون بالحملات الانتخابية تنفيذاً لتوجيهات أخنوش، مؤكداً حينها أن حزبه سيتجه إلى المجلس الأعلى للحسابات للمطالبة بافتخاص شامل لوزارة الفلاحة، وهو ما أشار إليه أيضاً عبد الإله بنكيران وبرلمانيون وسياسيون آخرون في عدة مناسبات متفرقة. لكن الغريب والمثير للجدل أنه بمجرد الإعلان عن نتائج انتخابات 2021 ودخول حزب الأصالة والمعاصرة في تحالف حكومي مع “الحمامة”، اختفى وهبي وتوارى عن الأنظار بشأن هذا الملف، وطُويت التهديدات والوعود باللجوء إلى المجلس الأعلى للحسابات دون تنفيذ يُذكر، وتبخرت تلك الوعود بمجرد تقاسم الحقائب الوزارية ومنافع السلطة.
​وتتجلى هذه الصورة الضبابية وتتجسد أبعاد الفساد وتبديد الميزانيات الضخمة بصورة جلية وملموسة عند اتخاذ إقليم تيزنيت كنموذج حي وميداني، حيث تم استنزاف.. المليارات تحت مظلة مخطط “المغرب الأخضر” دون تحقيق أي نتيجة تذكر على أرض الواقع؛ فلا أشجار اللوز ولا الخروب والصبار ولا الأركان ولا منشآت السقي والماء حققت الأهداف المعلنة (تيزبريس تتوفر على مجموعة من الوثائق والمعطيات)، بل ظلت أغلب تلك المخططات مجرد مشاريع على الورق وميزانيات ضخمة صُرفت وهُدرت بلا أي أثر تنموي يلمسه الساكنة والفلاحون المحليون. وقبل تصريحات وهبي والمهاجري، كانت بعض الجمعيات الحقوقية والتنموية بإقليم تيزنيت قد رفعت صوتها عالياً مستنكرة سوء تدبير المال العام وصرفه في خدمة أغراض شخصية وحزبية ضيقة، ومطالبة بفتح تحقيقات قضائية وإدارية عاجلة، غير أن مصير تلك الشكايات والمطالب كان يؤول دائماً إلى الحفظ والطي في الرفوف والأرشيف دون إجراء أي تحقيق جاد، ليستمر النزيف والعبث داخل المديرية الإقليمية للفلاحة بتيزنيت منذ سنوات، خاصة بعد أن عمل أخنوش على استقدام مجموعة من المسؤولين الذين اختارهم بعناية لتنفيذ التعليمات وتطويع الإدارة لتلبية رغبات حزبه في المنطقة، حيث تم الإتيان بموظف وتعيينه مديراً إقليمياً للفلاحة بتيزنيت وقضى سنوات في منصبه استجاب خلالها لكافة الإملاءات عبر ضخ وتوزيع ميزانيات بالمليارات تحت يافطة إنقاذ الإقليم من التهميش والركود الفلاحي، غير أن الغاية الحقيقية كانت تخدم الأجندات الانتخابية والشخصية، وبعد أن أدى ذلك المسؤول المهام الموكلة إليه على أكمل وجه، جرت ترقيته مكافأة له إلى مدير جهوي للفلاحة، قبل أن يتم تعيينه لاحقاً عاملاً على إحدى العمالات.
​وقبل أن يغادر هذا المدير/العامل منصبه بتيزنيت، جرى إعداد بروفيل آخر وتهييئه لخلافته على رأس مديرية الفلاحة بتيزنيت، يتعلق الأمر بموظف كان يشتغل بملحقة الفلاحة بمركز أنزي، حيث سارع أخنوش وفرع حزبه بالإقليم، مباشرة بعد إزاحة المدير الذي كان، إلى الدفع بهذا الموظف وتعيينه مديراً بصفة مؤقتة لتسيير المديرية، متجاوزين الكفاءات والأطر البشرية ذات الخبرة العالية التي تزخر بها المديرية الإقليمية، نظراً لأن منهجية التعيين لم تكن تبحث عن الكفاءة أو تحقيق الأولويات التنموية، بل عن العناصر القادرة على التنفيذ وصرف الميزانيات وفق ما تخططه قيادة الحزب بالإقليم. وعلى الرغم من أنه ظل يمارس مهامه كمدير إقليمي دون سند تنظيمي وقانوني دائم لعدة سنوات، فقد جرى تثبيته وتعيينه بصفة رسمية بالتزامن مع الاقتراب من الاستحقاقات الانتخابية لسنة 2026، قبل أن يتم تنقيله لاحقاً إلى منطقة أخرى، والمجيء بمدير آخر وهو قريب من المدير السابق (العامل حالياً) من أجل ضمان عدم تسريب الوثائق وفضح الفساد. وخلال هذه السنوات المتواصلة من التدبير، عرف إقليم تيزنيت نزيفاً مالياً هائلاً وصرفت المديرية ميزانيات ضخمة، غير أن نتائجها اليوم تبدو منعدمة، ومشاريعها المزعومة لا توجد إلا في التقارير المكتوبة…​وأمام تزايد الشكايات والاحتجاجات المتكررة حول فشل المشاريع الفلاحية بالإقليم وغياب الأثر الفعلي للميزانيات المعلنة، حاول المدير السابق (العامل حالياً) التملص من المسؤولية عبر إصدار بيان رسمي يتهم فيه الرعاة الرحل وماشيتهم بالتسبب في إتلاف وفشل المشاريع الفلاحية واستهداف غرس اللوز والخروب والصبار، لاتخاذ قضية الرحل كشماعة جاهزة يعلق عليها الإخفاق الهيكلي، في حين اعتمد المدير الذي تلاه رواية أخرى تسعى لترويج أن ظاهرة الجفاف وحبس التساقطات المطرية هما السبب الرئيسي في إبادة المشاريع الفلاحية، وهي تبريرات تتهاوى أمام الواقع الميداني بالإقليم الذي يظهر تناقضاً غريباً؛ إذ تتواجد مشاريع فلاحية خاصة ينفذها مواطنون بلإقليم وبإمكانيات ذاتية بسيطة وتحقق نجاحاً باهراً، بينما تفشل وتندثر بمحاذاتها تماماً مشاريع فلاحية رُصدت لها ميزانيات بالمليارات…​إن ملف الفضائح الفلاحية بإقليم تيزنيت يخفي خلف كواليسه الكثير من الحقائق المعتمة، وفي حال فتح تحقيق قضائي جاد ومستقل ستنكشف فضيحة مدوية تظهر كيف تحولت الميزانيات الضخمة إلى جيوب المحظوظين وسُخرت لخدمة المصالح الانتخابية الضيقة. وأمام هذه التصريحات النارية المفاجئة، يبقى التساؤل المطروح بحدة في الشارع المغربي: هل سيتحلى هشام المهاجري بالجرأة والشجاعة السياسية ليفتح هذا الملف شائك الجذور ويذهب به إلى نهايته المحتومة بالمطالبة بفتح التحقيقات واللجوء للقضاء والمجلس الأعلى للحسابات، أم أنه بدوره سيسلك طريق أسلافه وسائر السياسيين كالقيادي عبد اللطيف وهبي، ليكون كلامه مجرد مناورة إعلامية وورقة ضغط لانتزاع المكاسب السياسية والتموقع الحكومي وسرعان ما يتلاشى ويختفي بمجرد إبرام الصفقة وتوزيع المناصب….غير أنه وبما أن جرائم اختلاس وتبديد الأموال العمومية المقترنة بظروف مشددة تخضع لأحكام وتنظيم قانوني خاص ولا تسري عليها أحكام التقادم المعتادة أو تخضع لحساب زمني مختلف، فإن يوم الحساب والمساءلة وتفجير كافة أبعاد هذه الفضائح المالية سيبقى حتمياً لا مفر منه مهما طال الزمن.






تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.