في خطوة تعكس دينامية التعاون الدولي اللامركزي، مازال وفد جماعة تيزنيت يقوم بزيارة عمل مكثفة إلى مدينة غرونوبل الفرنسية، وذلك في إطار برنامج التبادل الدولي بين المدينتين. وقد حمل الوفد معه تجارب غنية ورؤى طموحة لتعزيز الشراكة في مجالات عدة، أبرزها التحول الرقمي، وتمكين الشباب، ودعم المبادرات الجمعوية.
فعلى مدار يومين متتاليين، 11 و12 يونيو 2026، عاش أعضاء الوفد على وقع برنامج حافل بالزيارات واللقاءات، جمع بين الجوانب المؤسساتية والميدانية، وبين التعرف على السياسات العمومية المحلية والانفتاح على التجارب الجمعوية والإعلامية.
شمل اليوم الأول جولة ميدانية أطرها مكتب السياحة المحلي، اطلع خلالها الوفد على تاريخ مدينة غرونوبل ومعالمها العمرانية، واستراتيجياتها في التهيئة الحضرية والمحافظة على التراث. كما كانت المحطة الأبرز بزيارة فضاء “لو ترونسفو” (Le Transfo)، وهو فضاء شبابي تشاركي مخصص لدعم المبادرات المدنية، حيث تعرف الوفد على آليات عمله في احتضان المشاريع ذات الأثر المجتمعي.
وفي سياق متصل، زار الوفد جمعية “Cap Berriat” المتخصصة في مواكبة الشباب حاملي المشاريع، واختتم يومه الأول بدار الحياة الجمعوية والثقافية (Maison de la Vie Associative et Culturelle)، حيث عقد جلسة عمل مع المسؤولين حول آليات التنسيق بين الجمعيات والبلدية.
وكان من بين الممارسات التي لفتت انتباه الوفد، تجربة بلدية غرونوبل في إعادة توزيع الحواسيب المحمولة على الجمعيات بعد انتهاء فترة استعمالها من طرف المصالح البلدية، وهي المبادرة التي تساهم في تعزيز القدرات الرقمية للجمعيات وتقليص الكلفة المرتبطة بالتجهيزات المعلوماتية.
وعلى خط مواز عقدت جمعية “أليس” للبرمجيات الحرة، التي يرأسها السيد مصطفى النحايلي العضو في الوفد، لقاءً مع جمعية “La Guilde” المتخصصة في التقنيات مفتوحة المصدر. وأسفر اللقاء عن توافق مبدئي لإطلاق برنامج تكويني مشترك حول استعمال الطابعات ثلاثية الأبعاد وتطبيقاتها في مجالات التعليم والابتكار الرقمي.
كما تضمن البرنامج جلسة عمل مع مديرة برنامج “المدينة المنفتحة” ببلدية غرونوبل، تم خلالها الاطلاع على تجربة البلدية في اعتماد البرمجيات الحرة داخل إداراتها، رغم كونها في بداياتها، مع الإشارة إلى مدينة “إشيرول” (Échirolles) المجاورة كنموذج رائد على الصعيد الوطني في هذا المجال، حيث تعتمد أنظمة تشغيل “لينكس” في إدارتها البلدية.
وفي اليوم الثاني، كان في استقبال الوفد السيدة إيزابيل بيترز، نائبة عمدة غرونوبل المكلفة بالذاكرة والعلاقات الدولية. وتم خلال اللقاء مناقشة سبل تعزيز الشق الجمعوي في اتفاقية التعاون، والاطلاع على تجارب المدينة في تدبير الملاعب الرياضية ونظام الإطعام المدرسي الذي يعتمد على المنتجات المحلية مع مساهمات مالية متفاوتة حسب الوضعية الاجتماعية للأسر.
ولم يقتصر البرنامج على الجانب المؤسساتي فقط، بل شمل زيارة للإذاعة الجمعوية المحلية “News FM”، حيث اطلع الوفد على أسلوب التسيير والنموذج الاقتصادي للإذاعة التي تتابعها يومياً حوالي 25 ألف مستمع. وتوجت الزيارة بمشاركة أعضاء الوفد في بث مباشر، تحدثوا فيه عن أهداف التوأمة بين المدينتين وأنشطة الجمعيات المشاركة.
وفي تصريح لمصطفى النحايلي، رئيس جمعية “أليس” للبرمجيات، حول هذه الزيارة، أكد على أنها “تشكل فرصة حقيقية لنا في جمعية أليس للاطلاع عن كثب على تجارب ناجحة في مجال التحول الرقمي والعمل الجمعوي. لقد أثارت اهتمامنا بشكل خاص تجربة إعادة توزيع الحواسيب على الجمعيات، وآليات تدبير الطلبات عبر المنصات الرقمية. كما أن لقاءنا مع جمعية La Guilde فتح آفاقا واعدة للتعاون التقني. نطمح لأن تستلهم مدينة تيزنيت من تجربتي غرونوبل وإشيرول، لتصبح مدينة رائدة في اعتماد البرمجيات الحرة والحلول مفتوحة المصدر، ونحن على استعداد تام للمساهمة في هذا المسار الطموح.”
واختُتمت فعاليات اليوم الثاني بأمسية سينمائية وثقافية في الهواء الطلق بدار غرونوبل الدولية، تحت شعار “من الأطلس إلى الألب: تيزنيت، المغرب والثقافات الأمازيغية”، حيث عُرض فيلم “El Capitano” للمخرج ذي الأصول التيزنيتية بشير بارو، وفيلم “Haut et fort” للمخرج المغربي نبيل عيوش، في رسالة ثقافية تعكس غنى التنوع وجهود التقارب بين المدينتين.
وقد خلص أعضاء الوفد إلى أهمية تنظيم لقاء تنسيقي مستقبلي يجمع بين جمعيات تيزنيت ونظيراتها بغرونوبل، بهدف استكشاف فرص الشراكة وتبادل الخبرات وبناء مشاريع مشتركة تخدم التنمية المحلية.
وتُعد هذه الزيارة خطوة نوعية في مسار التعاون اللامركزي بين تيزنيت وغرونوبل، وتعكس رغبة مشتركة في تجاوز الإطار المؤسساتي التقليدي نحو شراكة شاملة تشمل المجتمع المدني والقطاع الرقمي والثقافي، بما يعود بالنفع على مدينتين تتقاسمان رؤية تنموية طموحة.





تعليقات