السبت 13 يونيو 2026| آخر تحديث 10:38 06/05



تيزنيت : تفريغ الأزمات و”تطهير” المدن..كواليس ترحيل المشردين والمختلين صوب شوارع المدينة

تيزنيت : تفريغ الأزمات و”تطهير” المدن..كواليس ترحيل المشردين والمختلين صوب شوارع المدينة
​تشهد مدينة تيزنيت وضعاً اجتماعياً وأمنياً يثير قلقاً متزايداً في أوساط الساكنة. ويأتي هذا القلق على خلفية التنامي المخيف لأعداد المشردين والأشخاص الذين يعانون من اضطرابات نفسية وعقلية، في مشهد بات يطرح العديد من علامات الاستفهام الحارقة حول أسباب الظاهرة، والخلفيات غير المعلنة لتركزها في هذه المدينة بالذات.
​إنزال ممنهج في واضحة النهار.. شوارع تيزنيت تحت رحمة “الوافدين الجدد”
​من خلال معاينات ميدانية متكررة رصدتها “تيزبريس” على امتداد فترات مختلفة، تبين أن توافد الأشخاص في وضعية تشرد أو اضطراب نفسي على المدينة ليس مجرد مصادفة، بل هو تدفق مستمر لأفراد ومجموعات يتم شحنهم من مدن وأقاليم مختلفة عبر وسائل النقل العمومي، حيث يتم إنزالهم في واضحة النهار وبشكل علني لتفريغ الأزمات الاجتماعية لتلك الحواضر وتطهير شوارعها على حساب مدينة تيزنيت…​وبمجرد وصولهم، يندمج هؤلاء “الوافدون” مجبرين في نسيج الشوارع، والساحات، والأحياء العتيقة للمدينة. وقد وثقت الجريدة حالات صادمة لأشخاص يعيشون أوضاعاً إنسانية مهينة؛ بعضهم حفاة الأقدام، والبعض الآخر يعاني من تدهور صحي حاد، يتجولون في الفضاءات العمومية وسط غياب تام لآليات التكفل والإدماج، مما يحوّل شوارع المدينة إلى ما يشبه “ملجأ مفتوحاً” يفتقر لأدنى شروط الكرامة الإنسانية.
العنف العاري…تحول الفضاء العام إلى مصدر رعب
​لم يعد الأمر مقتصراً على مظاهر البؤس البصري، بل تعدى ذلك إلى تهديد مباشر لسلامة المواطنين. وتزداد مخاوف الساكنة مع تنامي السلوك العدواني لبعض المختلين الذين يجوبون الأزقة في حالات تعرٍّ كامل أو شبه كامل، بينما يتنقل آخرون حاملين العصي، والقضبان الحديدية، والحجارة واسلحة اخرى هذا الوضع ضاعف من شعور المواطنين بانعدام الأمان؛ حيث تحولت ألقاب مثل “مول العصا”، “مول الرويضة”، و”شعّال العوافي”، “مول جنوية”.من مجرد نعوت متداولة إلى رموز يومية للخوف والتوجس من أي مواجهة مفاجئة قد تتحول في لحظة غضب أو غياب للوعي إلى كارثة جسدية تمس المارة أو مستعملي الطريق.
​أرشيف الاعتداءات.. دماء وسياحة في مهب الريح
​هذا التوجس ليس وليد الوهم، بل يغذيه تاريخ قريب من الوقائع الدامية التي شهدتها تيزنيت. فقد سجلت المدينة اعتداءات خطيرة استهدفت مواطنين وزواراً، بل وامتدت لتطال سياحاً أجانب، ناهيك عن حوادث التخريب العمدي للممتلكات، وإشعال النيران، وعرقلة حركة السير…​ويتداول الشارع المحلي بحسرة حوادث اعتداء طالت مسافرين غافلين فور نزولهم من وسائل النقل، وهي مؤشرات خطيرة تضرب في الصميم السمعة السياحية للمدينة وتسيء لعمقها الثقافي والاجتماعي المحافظ.
​التصدير العكسي.. “بروتوكول” التجميل المحلي والترحيل الصامت
​في المقابل، تقف المقاربة المعتمدة من طرف سلطات تيزنيت لعلاج هذه المعضلة محط تساؤلات وجدل كبيرين. فبينما تتلقى المدينة تلك الأفواج الجماعية التي تُقذف إليها نهاراً من الأقاليم الأخرى، تختار السلطات المحلية هنا مقاربة عكسية تقوم على “الرد بالمثل” لكن بطرق غير معلنة.
​وحسب ما عاينته الجريدة، يتم التعامل مع هذه الحالات محلياً عبر تدخلات ميدانية مؤقتة تشمل التجميع المؤقت والإيواء الظرفي، مع السهر على نظافتهم الشخصية وتغيير ملابسهم وتقديم بعض الإسعافات الأولية والمسكنات عند الحاجة، قبل أن تبدأ مرحلة “الترحيل الصامت” التي تباشرها سلطات تيزنيت؛ حيث يتم شحنهم مجدداً بواسطة الحافلات أو سيارات الأجرة ونقلهم نحو وجهات ومدن أخرى، وذلك بعد تحسين مظهرهم الخارجي ليتنقلوا كمسافرين عاديين دون إثارة الانتباه
​هذه السياسة القائمة على تدوير الأزمة بدلاً من حلها جذرياً، يراها متتبعون للشأن المحلي كأنها عملية “تصدير عكسي للمشكلة”؛ حيث تدور هذه الفئة الهشة في حلقة مفرغة بين إنزال علني فاضح نهاراً من طرف المدن الأخرى، وترحيل صامت تُدبره سلطات تيزنيت، لتظل المدينة برمتها تحت رحمة هذا الصراع التدبيري الخفي ومتحملةً لتبعات ضغط اجتماعي يفوق طاقة بنيتها التحتية الطبية والاجتماعية.
​القنبلة الموقوتة.. هل ينقذ المقاربة الوطنية ما أفسدته الحلول الترقيعية
​إن نقل النقاش اليوم من زاويته الأمنية الضيقة إلى أبعاده الحقوقية والصحية العمومية يؤكد أننا أمام “قنبلة موقوتة”. فالأمر يتعلق بجدلية معقدة تضع حق هؤلاء المرضى والمشردين في الرعاية والكرامة الإنسانية في كفة، وحق الساكنة المطلق في الأمن والطمأنينة في كفة أخرى…​إن الاكتفاء بالتدبير الظرفي المتبادل الذي ينقل الظاهرة من إقليم إلى آخر ليس حلاً، بل هو تأجيل لانفجار اجتماعي محقق. فهل تستمر عاصمة الفضة في تحمل هذا الضغط المتزايد وصناعة حلول ترقيعية لملف وطني… أم أن الوقت قد حان لتدخل مركزي بمقاربة وطنية موحدة تعيد تنظيم هذا الملف الشائك وتضع حداً لسياسة “تفريغ” الأزمات في حواضر الهامش






تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.