ذ. عبدالله ونعيم
في المشهد السياسي، يبدو أن بعض الفاعلين اختاروا التراجع إلى الخلف، والانتظار بدل المبادرة، ومراقبة اتجاه الريح بدل إعلان المواقف بوضوح. قليلون هم الذين يملكون الجرأة على التموقع السياسي الصريح، وقليلون هم الذين يتميزون بحس نضالي يجعلهم ثابتين على قناعاتهم، بينما اختار آخرون حزم حقائبهم ووضعها قرب باب الحافلة، في انتظار أن تكشف نتائج الاستحقاقات عن وجهتها، حتى ينزلوا من حافلة ويركبوا أخرى.
المسألة لا تتعلق فقط بانتظار «ضربة الكبش»، بل تتجاوز ذلك إلى حب استعمالها. فهناك من يرى في النفوذ السياسي أو التنظيمي وسيلة لإقصاء الخصوم بدل التنافس معهم على أساس البرامج والأفكار. وهنا تتحول السياسة من فضاء للتدافع الديمقراطي إلى لعبة حسابات، ومن البحث عن المصلحة العامة إلى البحث عن الموقع الأكثر ملاءمة.
والأغرب أن بعض السياسيين لا يحددون مواقفهم إلا بعد أن تتضح النتائج: من ربح؟ من خسر؟ من صعد؟ ومن تراجع؟ بعدها تبدأ عملية البحث عن الحافلة المناسبة. ينزل البعض من حافلة ليركب أخرى، ويتغير التموضع بتغير موازين القوة، وكأن الانتماء السياسي مجرد تذكرة سفر قابلة للاستعمال في كل الاتجاهات.
وهنا تبرز أهمية التأطير السياسي، وحسن اختيار الفرق، ودقة منح التزكيات. فالتزكية ليست مجرد ورقة انتخابية، والانتماء الحزبي ليس بطاقة عبور نحو منصب أو مسؤولية. الأحزاب الجادة مطالبة بصناعة نخب سياسية حقيقية، واختيار أشخاص يمتلكون الكفاءة والحس النضالي والقدرة على تحمل المسؤولية، بدل الاكتفاء بمنطق الحسابات الانتخابية والولاءات الظرفية.
كما أن اللجوء إلى الغرف المغلقة لصناعة القرارات السياسية لا يمكن أن يكون بديلًا عن النقاش العمومي والتأطير والتواصل مع المواطنين. فالممارسة السياسية الجادة تحتاج إلى الوضوح، وإلى مواقف معلنة، وإلى منافسة تقوم على البرامج والمشاريع، لا على المفاجآت والضربات الانتخابية.
إن ما نشهده من فتور سياسي، وغياب للتأطير، وانتظار للنتائج قبل تحديد المواقف، لا يخدم لا مصلحة الوطن ولا مصلحة المواطن. فالمواطن أصبح أكثر وعيًا، وهو يميز بين من كان حاضرًا في الميدان قبل الانتخابات، ومن يظهر فقط عندما تقترب لحظة الاقتراع، وبين من يحمل قناعة سياسية ثابتة ومن ينتظر اتجاه الريح ليحدد موقعه.
السياسة ليست انتظار ضربة الكبش، وليست أيضًا حبًا في استعمالها. السياسة موقف ومشروع ومسؤولية. والمناضل الحقيقي لا ينتظر معرفة الفائز حتى يقرر أين يقف، ولا يغير حافلته كلما تغيرت وجهتها.
لقد حان الوقت لإعادة الاعتبار للعمل السياسي الحقيقي، وللتأطير الجاد، وللنخب التي تؤمن بالمشروع قبل المقعد، وبالمبدأ قبل المصلحة، وبالمواطن قبل الحسابات الانتخابية.
قد تتغير الحافلات وتتعدد المحطات، لكن ذاكرة المواطن لا تنسى من كان ثابتًا في موقفه، ومن ظل واقفًا على الرصيف ينتظر اتجاه الريح.



تعليقات