في الوقت الذي تسعى فيه مدينة تيزنيت إلى تحديث بنيتها التحتية وتعزيز جاذبيتها، يجد سكانها أنفسهم في خضم نقاش حاد حول الأولويات التي ينبغي أن تحكم مشاريع التهيئة الحضرية، بين متطلبات التنقل الناعم وضرورة الحفاظ على الموروث الطبيعي والجمالي.
في الأيام الأخيرة، أثارت أشغال التهيئة الكلية لشارع الحسن الثاني بتيزنيت جدلا واسعا على منصات التواصل الاجتماعي، بعد تداول صور ومقاطع فيديو تُظهر عملية اقتلاع نباتات كانت تزين جنبات الشارع. وسرعان ما تبادلت جماعة تيزنيت والفاعل المدني المعروف سعيد رحم الاتهامات والمسؤوليات في قضية تحولت إلى رمز لصراع أوسع حول رؤية تدبير الفضاء العام.
فقد أصدرت جماعة تيزنيت بيانا توضيحيا حاولت من خلاله وضع حد لما اعتبرته «مغالطات» تروجها بعض الصفحات على شبكات التواصل الاجتماعي، والتي تحدثت عن «اجتثاث أشجار» في الشارع الرئيسي للمدينة.
وأكدت الجماعة أن ما تم اقتلاعه، «وإن كان ذا قيمة منظرية وطبيعية مقدرة، فهو يقينا ليس بأشجار، بل هو نباتات متسلقة من نوع البوغانفيلييه (Bouguinvillier)، وهي شجيرات للزينة زاحفة ومتسلقة مع جدران أو أعمدة أو أشجار أخرى».
وبررت الجماعة هذه الخطوة بكون الدراسات المتعلقة بالمشروع تخصص ممرات للدراجات الهوائية فوق الرصيف بمواصفات ومسارات متراصة ومسترسلة، مما يجعل الأعمدة والسقيفات التي تتسلقها هذه النباتات تنتصب كحاجز أمام هذه المسالك، لا سيما في المقطع الذي يتطلب ممرا مزدوجا (للذهاب والإياب).
ولم تفت الجماعة الإشارة إلى أن الدراسة تتضمن برمجة مساحات وأشرطة خضراء وأغراس جديدة أو معادة التثبيت، مع إمكانية تعويض غرس نفس الصنف من النباتات المتسلقة التي تمت إزالتها، على أن هذا قد لا يتطلب زمنا طويلا للتمدد مقارنة بغيره من الأشجار.
وشددت الجماعة في ختام توضيحها على أن «المقاربة البيئية حاضرة بوعي في كل أشغال التهيئة»، مستعرضة بعض ملامحها التي تشمل إحداث عدة كيلومترات من ممرات الدراجات الهوائية، وتكثيف الأشجار والمغروسات مع تثبيت شريط أخضر مؤمن، وتعميم شبكات السقي المعقلن التي قد تعتمد على مياه الصرف الصحي المعالجة، بالإضافة إلى إنارة عمومية منخفضة الاستهلاك من نوع «الليد».
غير أن هذا التوضيح لم يرق للفاعل المدني سعيد رحم، الذي شن هجوما لاذعا على جماعة تيزنيت عبر منشور مطول.
ورأى رحم أن التزامن بين عملية الاقتلاع وزيارة رئيس الجماعة عبد الله غازي وأعضائه إلى مدينة غرونوبل الفرنسية «يثير أكثر من سؤال حول جدية الاستفادة من التجارب الناجحة، بل جدية برامج التبادل الدولي الممولة من جيوب دافعي الضرائب»، في إشارة إلى بروتوكول التعاون الموقع بين المدينتين.
وأكد رحم أن «الشجرة عنصر من عناصر المدينة وذاكرة محلية ووسيلة للتكيف مع الحرارة والتغيرات المناخية ومكون أساسي في جودة الحياة بالمدن»، مشيرا إلى أن غرونوبل ذاتها، التي تتعاون معها تيزنيت، وضعت «ميثاق الشجرة» كمرجع لتدبير التراث الشجري وحمايته وإدماجه في مشاريع التهيئة الحضرية.
وتساءل رحم بسخرية «إذا كانت تيزنيت اليوم في تعاون رسمي مع غرونوبل، فمن حق الساكنة أن تسأل لماذا لم نتعلم من غرونوبل أن التهيئة الذكية لا تركن بالحلول الجاهزة (لا أريد أن أقول الغبية) حين تقتلع الموجود ثم تعد بالتعويض لاحقا؟».
وطالب رحم جماعة تيزنيت بالإجابة عن أسئلة جوهرية من قبيل «هل درست بدائل تحفظ الأشجار؟ هل كان ممكنا أن يلتف مسار الدراجات قليلا حولها؟ هل كان ممكنا تحويلها إلى جزيرة نباتية؟ هل تم التفكير في استعمال النبات نفسه كعنصر فصل وحماية وجمالية بدل اعتباره عائقا يجب التخلص منه؟».
واختتم رحم منشوره باتهام الجماعة بـ«العداء الوجودي والذاكرة الرمادية مع المساحات الخضراء والأشجار في المدينة»، مستشهدا بسابقة «حديقة الزرقطوني» قبل شارع الحسن الثاني.
يكشف هذا الجدل عن فجوة واسعة بين الطموحات التي تعلنها المدن المغربية في شراكاتها الدولية، والممارسات الفعلية في مشاريعها الميدانية.
فغرونوبل، المدينة الفرنسية التي صنفت كـ«عاصمة بيئية» لأوروبا، لم تكتف بإنشاء مسارات للدراجات الهوائية فقط، بل أولت أهمية قصوى للتشاور مع المواطنين والخبراء قبل المساس بأي عنصر من عناصر النسيج الحضري. «ميثاق الشجرة» الذي أشار إليه رحم ليس مجرد شعار، بل أداة ملزمة تحدد الضوابط التي تحكم التدخل في الفضاءات الخضراء.
في المقابل، تبدو جماعة تيزنيت في موقف دفاعي، تحاول إقناع الرأي العام بأن ما حدث كان ضرورة تقنية فرضتها متطلبات التهيئة. غير أن هذا التبرير يبدو غير مقنع لشريحة واسعة من المهتمين بالشأن المحلي، الذين يرون في هذه الممارسات استمرارا لنمط تقليدي في تدبير الفضاء العام، يقوم على فرض الحلول الجاهزة بدلا من البحث عن حلول مبدعة تحافظ على القائم وتطوره في آن واحد.
الواقع أن قضية شارع الحسن الثاني ليست مجرد نزاع حول نباتات متسلقة، بل تعكس إشكالا أعمق يتعلق بغياب رؤية متكاملة للتهيئة الحضرية في العديد من المدن المغربية.
فرغم أن الجماعة تؤكد التزامها بمقاربة بيئية، فإن طريقة تنفيذ المشروع (الاقتلاع أولا ثم الوعد بالتعويض لاحقا) تثير شكوكا حول مدى جدية هذه المقاربة. فالمدن التي تفهم معنى التهيئة الذكية لا تضع التنقل الناعم في مواجهة المساحات الخضراء، بل تخلق تكاملا بينهما.
من جهة أخرى، فإن شعارات الانتقال البيئي والتنقلات الناعمة، التي ترفعها الجماعة في توضيحاتها وخطابات مسؤوليها، تظل مجرد كلمات طالما لم تترجم إلى ممارسات ملموسة تحترم روح هذه المفاهيم لا حرفها فقط.
في خضم هذا الجدل، يبقى السؤال الأهم، كيف يمكن لمدينة مثل تيزنيت، بتاريخها العريق وموقعها المتميز، أن توازن بين متطلبات العصرنة والحفاظ على هويتها الطبيعية والجمالية؟
ربما تكون الإجابة في الانتقال من منطق «التصميم المقدس» الذي لا يقبل التعديل، إلى منطق التصميم الذي يتفاوض مع الشجرة والذاكرة والمواطن والاستعمالات اليومية للفضاء. فالممر الجيد للدراجات ليس فقط مسارا آمنا، بل هو أيضا فضاء مريح ومظلل وإنساني.
يبقى أن نرى ما إذا كانت جماعة تيزنيت ستستخلص العبر من هذا الجدل، وتعمل على إعادة النظر في مقاربتها، أم أن «العداء الوجودي للمساحات الخضراء» الذي يتحدث عنه سعيد رحم سيبقى سمة للتدبير الجماعي بالمدينة.



تعليقات