الأحد 21 يونيو 2026| آخر تحديث 7:13 05/04



جدلية أدرار وأزغار في تيزنيت الكبرى…

جدلية أدرار وأزغار في تيزنيت الكبرى…

سعيد رحم.

بعيدا عن أي قراءة شوفينية تختزل المشهد في صراع عشائري أو قبلي، تكشف علاقة النخب بالمجال في تيزنيت عن تحولات بنيوية عميقة..فالمجال ليس مجرد خلفية جغرافية، بل هو فاعل صامت يشكل السلوك السياسي ويوزع الأدوار، بل قد يقلب الموازين أحيانا. تاريخيا، حكم تيزنيت الكبرى جدلية أدرار وأزغار، وهي جدلية تجاوزت البعد الطوبوغرافي لتصبح صراعا ضمنيا على الشرعية والنفوذ والسلطة والثروة.
ومع تطبيق سياسات اللامركزية والجهوية، أصبح تمثيل الجماعات الترابية مرهونا بقدرة النخب على تعبئة المجال. هنا تبدو تحولات جديدة، حيث تفوقت نخب أدرار في العشرية الأخيرة، حين أصبحت الأكثر فهما لآليات السياسة القروية وسوسيولوجيا الانتخابات، على نخب السهل التي بقيت أسيرة بيروقراطيتها التقليدية وشيخوخة نخبها واحتباس دورة إنتاج النخب بها. لكن هذا التحول في ميزان القوى لم يكن عفويا، بل يعكس اختلافا جذريا في طبيعة تشكيلة النخب نفسها وأدوارها.
فنخب أزغار تتحمل تكلفة باهظة للتفاعل السياسي والاجتماعي مع أعيانها، كما تستنزف مواردها في صراعات بيروقراطية ورهانات انتخابية مرهقة وبلقنة حزبية وغياب زعامات بارزة، بينما يظل دورها محدودا بأطر جامدة تفتقر إلى المرونة والذكاء الجماعي.. في المقابل، يؤدي أعيان الجبل دورا مغايرا تماما، فهم ليسوا طرفا مباشرا ومكلفا في التفاعل السياسي اليومي مع النخب السياسية المحلية، بل يشكلون عنصر دعم وإسناد لها. هذا الاختلاف يمنح نخب أدرار هامشا كبيرا للتحرك والتكيف السريع مع المتغيرات، واستثمار الفرص دون أن ترتبط أيديهم بنفس التكاليف التي يثقل بها أعيان أزغار كاهل النخب السياسية للسهل. وهذا الهامش الواسع يفسر، إلى حد كبير، قدرة الجبل على أخذ المبادرة والتحكم في مفاتيح العملية السياسية بمنتهى البراغماتية.
وإن ما يعمق هذه المفارقة ويجعلها أكثر إدهاشا، هو أن نخب أدرار تستلهم في ممارستها السياسية نفس القيم التي تؤطر سلوكها الاقتصادي والتجاري، فتبدو ليبرالية منفتحة، قادرة على صناعة التحالفات واختراق حصون منيعة بكثير من المغامرة، وتتبنى عمليا قاعدة “دعه يعمل، دعه يمر”. في مقابل ذلك، تبدو نخب أزغار، اليوم، محافظة ومترددة ومتوجسة من المغامرة وقليلة المبادرة، في مفارقة غريبة عن المألوف، ومناقضة لصورة ظلت دائما تصور الجبل محافظا منغلقا والسهل منفتحا ليبراليا..
اليوم، لم يعد هناك مجال للمقارنة، أدرار هو من ينتج الثروة، وهو نفسه من يمسك بزمام السلطة والمبادرة السياسية بتيزنيت الكبرى. في المقابل، أصبح أزغار بلا ظل، بلا نخب تحمل مشروعا طموحا، تتابع الأحداث من موقع المتفرج والمستهلك.
يعود تفوق أدرار إلى قدرته على المبادرة، وإلى لغة نخبته المفهومة لسكانه من زاوية القبيلة والأرض، وإلى تماسك صوته الانتخابي حيث يصوت الجبل إلى حد كبير ككتلة واحدة، بينما يتوزع السهل بين قناعات متضاربة وولاءات متعددة وزعامات كثيرة بدون قاعدة.
أما السؤال المحوري فيبقى، أين يكمن خلل نخب أزغار؟ تفتقر نخب أزغار إلى الجرأة السياسية، إذ تبدو نخبا تخشى المبادرة وتتوجس منها. كما أنها تعاني من تبعية القرار، فتحولت من صانعة للقرار إلى وسيط أو تابع لأجندات أخرى. وتعاني من أزمة تجديد، بالاعتماد على الوجوه المتقادمة ومقاومة إدماج الطاقات الشبابية. وأخطر أعطابها اليوم، فقدان المشروع الجماعي حيث لا تملك نخب السهل خطابا موحدا أو برنامجا تنمويا خاصا بأزغار، فهي تجمعات ظرفية تخدم مصالحها الضيقة.
رغم هذا التمايز لصالح نخب الجبل، فإن ما يُحسب لأزغار هو اجتراح تجارب نسائية سياسية متميزة، شقّت طريقها بعرق جبينها في استقلالية عن دوائر المال والسلطة والقبيلة. ففي السهل تبرز نماذج نسائية محلية تخوض غمار مشهد سياسي وانتخابي ذكوري بجرأة استثنائية، مثل خديجة أروهال، والراحلة نزيهة أباكريم، كتجسيد لنماذج نسائية بوعي جهوي متقدم، ولا يعتبرن حضورهن المحلي مجرد محطة انتقالية نحو المركز ومحور الرباط-الدار البيضاء.. هذه التجارب، رغم قلتها، تظل مشرقة وتؤكد أن النخب السهلية إن عجزت عن مشاريع جماعية فهي قادرة على إنتاج فرادة سياسية نسائية تخترق الصمت والتقاليد الذكورية. في المقابل، تظل آلية التنخيب النسائية في أدرار إما منعدمة أو تقليدية، حيث لا تجد المرأة هناك طريقها لولوج دوائر القرار إلا عبر محاضن عائلية أو قبلية أو مجرد تأثيث للمشهد، ونادرا ما تخوض تجربة فردية مستقلة. وهذه المفارقة وحدها تكفي لإعادة الاعتبار لأزغار في نقطة جوهرية، حين يتعلق الأمر بتجديد النخب، والقدرة على إنعاش عملية التنخيب.
على مستوى الانتخابات التشريعية حاليا، تظهر تداعيات الجدلية بوضوح، فأي مرشح لا يحظى بغطاء جماعات أدرار أو لا يستطيع تفعيل شبكات نفوذها يصعب عليه الفوز في تيزنيت، وأصبح أزغار مجرد ريشة صوت عائمة تصوّبها النخب الجبلية حسب مصالحها وأهوائها، حين يغيب في أزغار شخصيات تحظى بكاريزما والتفاف حولها باستثناء خديجة أروهال كوجه نسائي بارز اليوم في المشهد.. خلاصة القول، أزغار تخسر رهان التنمية ورهان الانتخابات ليس لغياب المؤهلات، بل لغياب نخب جريئة تحسن تفعيلها.
تبقى جدلية أدرار وأزغار في تيزنيت نتيجة تراكمات تاريخية واختيارات سياسية واجتماعية قابلة لإعادة النظر، وليست قدرا محتوما. الأكيد أن الحل لن يأتي من الخارج، بل من داخل أزغار نفسه، فإذا تفتقت نخب أزغار عن جيل جديد يتمتع بالجرأة السياسية رجالا ونساء على حد سواء، ويستثمر في المجال بدل هجره، ويبني مشروعا تنمويا طموحا، فإن المعادلة قد تتغير. أما إذا ظلت أزغار أسيرة نخبها التقليدية الفاقدة للشجاعة السياسية، فستبقى الظلال الجبلية شامخة، وسيستمر أدرار في تصدير النخب والسلطة بينما يكتفي أزغار بدور المتفرج الذي انتهى زمنه، أو مجرد صندوق أصوات انتخابية يملك أدرار مفاتيحه وأوراقه وسلطته.







تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.