من اللافت للانتباه خروج بعض الفتاوى من حين لأخر من بعض العلماء السعودين المشهورين مما يسمى هيئة كبار العلماء حول بعض القضايا السياسية الراهنة مما يؤشر على وصول رياح التغيير الى هذه المنابر . فقلاع الفكر الوهابي في هذا البلد استبقت الوضع لحماية نظامها من رياح الثورات التي تعصف بجيرانها . واخر ما صدر من كبار هيئة العلماء بيان يحرم قيام السعوديين بالتظاهرات أو الخروج على الحاكم ،مفاده أن الإصلاح لا يكون بالمظاهرات التي تثير الفتن .وقالت الهيئة إن النصيحة لا تكون بالمظاهرات…
و الوسائل والأساليب التي تثير الفتن وتفرق الجماعة، فالمظاهرات حرام شرعا والأسلوب الشرعي الذي يحقق المصلحة ولا تكون معه مفسدة هو المناصحة التي سنها النبي صلى الله عليه وسلم. وقد زاد البعض على ذلك لتبرير التحريم بكون هذه المظاهرات والمسيرات بدع مستوردة من عند الكفار ولم يسبق للسلف الصالح ان تظاهر وسار في مسيرات ، وهناك من ذهب بعيدا بنسب ما يحدث الى مؤامرة صهيونية أمريكية هدفها تمزيق العالم الاسلامي .
إن الاحداث التي حصلت لم تكن مخطط لها أو مبرمجة وإنما جاءت كموجة خاطفة كموجة تسونامي اخدت معها زين العابدين وهو في غفلة من أمره ثم امتدت الى مبارك في مصر وبلغت اليمن وليبيا والبحرين وغيرها من دول العالم العربي. فلا يمكن لعاقل ان يجزم بوجود أيادي خفية وراء تحريك هذه الشعوب في هذا الوقت وبهذا الشكل كما يحاول البعض تصويريه .
ان هذا النوع من الفتاوى مع الاحترام والتقدير لكبار العلماء يعد بعيدا عن الواقع ونابع من أشخاص يعيشون في قوقعة وفي بيئة معزولة عن العالم الخارجي ،أشخاص فاقدي البصر وربما حتى البصيرة معا.
إن تحالف السلطان والعلماء في السعودية لا يحتاج الى برهان ،فالعلماء هناك اكثر كلاما وجرأة وتشددا في قضايا المرأة و العقيدة و الفتاوى الجاهزة على الهوى وأقل حديثا عن الفساد والرشوة ومصالح العباد .وقد لا ينتظر من كبار علماء السعودية ان يغيروا مواقهم والتي أسست على فهم خاص للإسلام. ذلك الفهم الذي يزعم اتباعه للسلف الصالح وان كان الامر في الشكل وليس في المنهج ، وذلك من خلال التعاطي الظاهري مع فهم بعض النصوص واستنساخ احكامها على واقعنا الحالي في اختصار كبير ل 1400 سنة من الزمن .
ولا اعتقد ان رأي عمر الفاروق ،اليوم لو كان بين ظهرانينا ، في كثير من القضايا سيكون ذات الموقف في زمن النبي صلى الله عليه ،وكيف سينظر الى الدعوة السلمية للتظاهر في الفايسبوك ضد الحكام الخالدين المستعبدين للبشر والناهبين للثروات والمنفقين لها بلا حساب ، انني اتصوره حاملا لعصاه وداعيا كل الناس لاتباعه، ليهجم على هذه الاصنام في قصورها كما فعل بعد اسلامه، حيث خرجت اول مظاهرة بقيادته هو وأسد الاسلام حمزة ، رغم الأذى والرجم بالحجارة وشتى انواع الاهانة التي واجهتهم بها قريش في منظر لا يختلف عن منظر هؤلاء الشباب المسالمين الذين تنهال عليهم عصي وهراوات الاجهزة القمعية في العالم العربي اليوم .
وكيف سيكون موقف الامام الحسين اليوم، تجاه رؤساء خالفوا الدساتير وجعلوا الرئاسة وراثة وأبدية ،في ضرب لمفهوم الشورى. أتراه ،وهو الرافض لسلطان معاوية الذي ولي الخلافة بالغصب، يستكين امام هؤلاء الرؤساء والملوك اليوم والذين لا يبلغ افضلهم اصبع معاوية .وهل سيقبل ابن الزبير وكبار الصحابة ان يروا كل هذا الظلم والفساد فيسكتون عنه بدعوى تجنب الفتنة .أو لم يكن هؤلاء هم من رفعوا سيوفهم في وجه الامراء وحاسبوهم اشد الحساب، ألم يحاسبوا أبا بكر وعمر على نفقاتهم، الم يسألوا عمر الفاروق عن مصدر رداءين من ثوب ، هل منهج هؤلاء وسنتهم تقتضي السكوت عن القصور الفخمة وعن الشركات الكبرى وعن ثروات البلاد التي سجلت باسم هؤلاء الحكام .
كيف يحاول البعض ان ينتقي من الدين ما يعجبه ،من خلال فهم فرضه السلاطين بقوة السيف في عصور الانحطاط، ويرمي وراء ظهره كل هذا التجربة الغنية التي لا تحتاج الى فهم احد .هذه نماذج السلف الصالح ،ومواقفهم و لو قرأناها بدون وسيط لكان وضع امتنا غير ما هو عليه الان .
ان رياح التغيير التي هبت على المنطقة العربية ستغير الكثير من المفاهيم الاسلامية الموروثة، سواء تعلق الامر بنظرية الخروج عن الحكام ، من قبيل قاعدة سد باب الذرائع المؤدية الى الفتن وتفريق الجماعة وحماية بيضة الاسلام ، لقد انكسرت تلك البيضة مند زمان وفرخت الاستبداد والظلم . فمطلب العدالة والكرامة والحرية عند الناس اليوم، مقدم على الطاعة للسلطان حتى وإن أقام الصلاة ووفر ضرورات الحياة.
ومفهوم الفتنة سيتغير، فليس كل من خرج متظاهرا مسالما ومطالبا بشغل أو مطالبا بحق ينطبق عليه هذا المفهوم .فالفتنة الكبرى هي تغليب مصلحة فرد واحد على مصلحة الملايين ،فلما لا يتفضل الحكام ويرضخون لإرادة الشعوب ويحقنون بذلك دماء المسلمين .أو ليست الامامة بالرضى والشورى وإجماع الامة .
ومفهوم الخروج ايضا من التعسف ان يتم الصاقه بهؤلاء الخارجين للتظاهر في الشوارع الذين لا يملكون سلاحا سوى حناجرهم ، وأعظم الخروج هو خروج السلطان عن قواعد العدل والشورى وتولية المناصب لأسرته وتوزيع الامارات والولايات عليهم.
اما المناصحة كوسيلة للسلطان باعتبارها سنة نبوية فهو حق اريد به باطل ، فهذه السنة رغم حصرها من طرف البعض في العلماء وهم وحدهم من يملك الصفة الشرعية لنصح السلطان. فعلينا ان نتساءل اين هؤلاء العلماء من أمثال الامام احمد بن حنبل والشافعي وابو حنيفة وسعيد بن جبير الذي خرج مع ابن الأشعث على عبد الملك بن مروان .
ولو تأملنا سنة الخلفاء الراشدين الذين أمرنا باتباعهم ، لعملنا بسنتهم في كيفية الحكم، انهم لم يصلوا إلى الحكم عن طريق السيف والوراثة والتغلب ولم يورثوا الحكم لأبنائهم وأقاربهم .فكيف نترك منهجهم هذا ونتمسك بسنة السلاطين التي صارت من المحدثات والبدع التي نهى عنها الرسول صلى الله عليه وسلم ، وأمرنا باتباع سنن الخلفاء الراشدين والعض عليها بالنواجذ.
فاصطفاف من يسمون كبار هيئة العلماء الى جانب الحكام من خلال إعمالهم لقاعدة المصلحة ودرء الفتنة، يؤدي إلى ترسيخ الاستبداد وتعطيل فرص الإصلاح السياسي وإقامة اركان الدين كله وهو تجزيء للدين وتقزيم له، وبالتالي مراعاة مصلحة الحاكم لا مصلحة الأمة .فمصلحة الامة مقدمة على مصلحة الحاكم .
أوليس أعظم الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر. فكيف سيكون موقف هؤلاء العلماء الصامتون امام ربهم وهم شهود على ظلم الحكام للعباد .
علي أسندال
هسبريس


