فطن المغاربة إلى قيمة الكراسي، فنظم أحدهم قصائد غزل فيها، وطلب آخر ودها بالمال والعلاقات الأسرية، وتمسك بها ثالث، فطلى كرسيه بألوان قوس قزح، غير آبه بقماشها الباهت، فقط، لطرد الملل والاكتئاب بعد سنوات طويلة من الجلوس. لا تواجه كل الحركات الاحتجاجية السلمية في الوطن الممتد من المحيط إلى الخليج إلا الخالدين في الكراسي، إذ يرفعون صورا «للمعمرين»، ولافتات تطالب باستعادة الشعب «للكراسي»، وغالبا ما تنتهي الحكاية، بنحيب ودماء تسيل، كما حدث في بلاد «معمر القذافي»…
في المغرب، هناك جمعية «محظورة» لهواة الخالدين بالكراسي، لا يأبهون بالتلقيحات ضد عدوى الخلود فيها، فهي أشد فتكا من إنفلونزا الطيور والخنازير والقردة، وأعضاؤها امتدت جذورهم في الأحزاب والنقابات والجمعيات ومناصب حساسة في الدولة، حتى ألف المغاربة صورهم، واعتادوا على ابتساماتهم وغضبهم، وصاروا لا يطيقون الفطام من طلعتهم، يوميا، على شاشة التلفزيون.
لم يأبه «أصحاب الحال في بلادنا» إلى أن الملك الراحل الحسن الثاني كان حكيما حين سن حركة تنقيلات كل أربع سنوات، ولم يستوعب أحد أن الخلود عدو للديمقراطية، إذ يسقط صاحبه في الرتابة وربط علاقات مشبوهة، حتى ولو كان نبيا معصوما من الخطأ، ف «السلطة المطلقة مفسدة مطلقة»، كما يقال، وإحداث التغيير ضمان لضخ دماء جديدة في الإدارة، ونفس عميق في مسار الديمقراطية الطويل، وأمل لأجيال تطمح إلى العطاء وترفض الرتابة والانتظارية، في انتظار أفول «نجم» الشيوخ الخالدين.
للأسف، أن منطق هؤلاء لا يستقيم مع مفهوم التنقيلات والتغييرات، وزحزحتهم عن كراسيهم ومناصبهم لا تعني لهم إلا الانتقام منهم، بل منهم من يوظف كل علاقاته تشبثا بالكرسي، ولا يعبأ بأن التنقيل لا يعني الفساد، أو التورط في قضايا مشبوهة، بل هو حصن له من إغراءات المنصب والكرسي، وقطع الطريق أمام كل شبهات الامتيازات.
ويوجد أعضاء جمعية «هواة الكراسي» في الإدارة العامة للأمن الوطني، والدرك الملكي وبنك المغرب، والمندوبية السامية للمقاومة وأعضاء جيش التحرير، ووزارة العدل ومفتشيات عامة… وغيرها من المناصب التي فاقت مدة تولي المسؤولين عنها أربع سنوات، ومنهم من قارب عقدا من الزمن أو أكثر، فهل عجزت أرحام الأمهات المغربيات عن ولادة شباب قادرين على تولي مناصب حساسة؟ أم أن مغناطيس «الكرسي» أشد جذبا وقوة من الرغبة في التغيير؟
لا أحد يملك الجواب، لكن المفارقة الكبيرة أن حركة التنقيلات لا تطول إلا الموظفين الصغار، فالكاتب العام لوزارة العدل في كرسيه منذ سنوات، مثله مثل عدد من كبار الموظفين السامين بالوزارة، ووالي بنك المغرب ومؤسسات عمومية أخرى تتلذذ بنكهة الكراسي الوثيرة، ولا تأبه بأن جيل «الفيسبوك» مل الانتظارية ويطمح إلى خدمة الوطن بعقلية جديدة.
خالد العطاوي
الصباح : 28 – 02 – 2011


