تقوم الديمقراطية السليمة على مبدأ تكافؤ الفرص بين جميع الفاعلين السياسيين، وعلى حياد الإدارة في تعاملها مع مختلف الأحزاب والمرشحين، بما يضمن قيام المنافسة الانتخابية على البرامج والكفاءة، لا على استغلال النفوذ أو تسخير الإمكانيات العمومية.
إن توظيف بعض الأعوان العرضيين وصرف أجورهم من المال العام، ثم توجيههم للقيام بمهام تخدم حزبًا سياسيًا أو تُستغل في الدعاية الانتخابية، يُعد انحرافًا خطيرًا عن الغاية التي خُصصت لها الأموال العمومية، ويمس بمبدأ حياد الإدارة وتكافؤ الفرص بين مختلف الأحزاب والمرشحين.
وبالمثل، فإن توجيه الدعم العمومي إلى جمعيات على أساس الولاء، بدل اعتماد معايير موضوعية وشفافة، من شأنه أن يفتح الباب أمام استغلال المال العام لتحقيق مكاسب سياسية أو انتخابية، وهو ما يتعارض مع مبادئ النزاهة والحكامة الجيدة والعدالة في توزيع الموارد العمومية.
ولا يقتصر الأمر على الموارد البشرية أو الدعم المالي فحسب، بل يمتد، إلى استعمال الآليات والمعدات والوسائل اللوجستيكية التابعة للجماعات أو الإدارات العمومية، أو استغلال مقرات العمل والمرافق العمومية، أو توظيف وسائل النقل والاتصال والموارد المادية، أو استغلال أوقات العمل الرسمية في أنشطة ذات طابع انتخابي أو حزبي. فمثل هذه الممارسات تمثل إخلالًا جسيمًا بمبدأ حياد الإدارة، وتؤدي إلى توظيف إمكانيات ممولة من المال العام لفائدة أطراف معينة، بما يخل بمبدأ المساواة بين المتنافسين ويقوض الثقة في نزاهة العملية الانتخابية.
ولتفادي مثل هذه الممارسات، أرى أن من الضروري إخضاع تدبير الموارد البشرية، بمختلف فئاتها ودرجاتها، لإشراف السلطة الإدارية المختصة ممثلة في السيد العامل، بما يكفل حياد الموظفين والأعوان ويحول دون توظيفهم في أي نشاط ذي طابع حزبي أو انتخابي.
كما ينبغي أن يخضع الدعم الموجه للجمعيات لمعايير دقيقة وموضوعية، تتسم بالشفافية والإنصاف، مع سحب سلطة تقريره من رؤساء الجماعات وإسنادها إلى لجان مستقلة أو إلى السلطة الإدارية المختصة، على غرار ما جرى العمل به في المبادرة الوطنية للتنمية البشرية، حيث انتقلت رئاسة اللجنة من رئيس الجماعة إلى رئيس الدائرة، مما مكن من تعزيز الحياد والموضوعية في تدبير الدعم.
ومن الضروري أيضًا تشديد الرقابة على استعمال جميع الممتلكات والإمكانيات العمومية ليس فقط خلال الفترات الانتخابية، بل حتى قبلها مع تفعيل آليات المراقبة والتبليغ، وترتيب الجزاءات القانونية والإدارية في حق كل من يثبت تورطه في استغلال المال العام أو الوسائل العمومية أو النفوذ الإداري لخدمة مصالح انتخابية أو حزبية، وذلك تكريسًا لمبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة، وصونًا لهيبة المؤسسات وثقة المواطنين فيها.
إن ترسيخ مبادئ الحياد والشفافية، وربط المسؤولية بالمحاسبة، واحترام سيادة القانون، يظل السبيل الأمثل لحماية المال العام، وضمان نزاهة العملية الديمقراطية، وصون مبدأ تكافؤ الفرص بين جميع الفاعلين السياسيين والجمعويين. فمواجهة كل أشكال الفساد الانتخابي، مهما كان مصدرها أو شكلها، مسؤولية جماعية تتطلب يقظة المؤسسات، ووعي المواطنين، وتطبيق القانون بعدل وحزم، حتى تكون الانتخابات تعبيرًا حقيقيًا عن الإرادة الحرة للناخبين، لا نتيجة لاستغلال النفوذ أو الإمكانيات العمومية.
بقلم عبدالله أگنگو.



تعليقات