ذ.عبد الله أكنكو
نكرات أويد گونين ..!
تُعد مدينة تيزنيت من الحواضر التاريخية العريقة منذ القدم بجهة بسوس، وهي حاضرة إقليم يتميز بمميزات جغرافية وتاريخية وبشرية متعددة وبموقع استراتيجي جد متميز بوسط الغرب يربط شمال المملكة بجنوبها، اقليم راكم رصيدا مهما من المبادرات التنموية خلال العقدين الأخيرين.
غير أن مسار التنمية المحلية سواء على مستوى المدينة أو الاقليم يعرف تعثرات بنيوية تتجلى في إلغاء مشاريع مهيكلة أو تأخرا في إنجازها رغم استيفائها للمساطر القانونية وتعبئة الموارد اللازمة. هذا الواقع يطرح أسئلة جوهرية حول نجاعة الحكامة الترابية وفعالية التعاقد بين الدولة ممثلة في القطاعات المعنية والجماعات الترابية.
وفي هذا الصدد يمكن تناول هذا الموضوع من خلال المحاور التالية:
1) إلغاء مشاريع مهيكلة رغم استكمال المساطر:
الظاهرة الأبرز في أعطاب التنمية بتيزنيت هي إلغاء مشاريع مهيكلة كبرى بعد المصادقة عليها وتعبئة الوعاء العقاري. هذا الإلغاء يضرب في العمق مصداقية البرمجة ويهدر الزمن التنموي.
ومن بين المشاريع التي تم الغاؤها مشروع إنجاز كلية التدبير والاقتصاد والتنمية المستدامة؛ حيث شكل هذا المشروع رهانا استراتيجيا لتحويل تيزنيت إلى قطب جامعي بجهة سوس ماسة، والغريب في الأمر أن المشروع تم إلغاؤه بعدما تم توقيع الاتفاقية بين وزارة التعليم العالي والمجلس الإقليمي وجامعة ابن زهر، وتمت المصادقة عليها من طرف الجهات المختصة، وتمت تعبئة الوعاء العقاري بغابة موانو التابعة للمجال الجغرافي لجماعة اثنين أكلو، غير أن المشروع توقف بذريعة توجه وزير التعليم العالي السابق القاضي بإلغاء، جميع الأنوية الجامعية عبر التراب الوطني بأكمله وشمل الإلغاء كلية الاقتصاد والتدبير والتمنية المستدامة بتيزنيت فكانت النتيجة المباشرة هي استمرار نزيف هجرة الطلبة نحو أكادير، وحرمان الإقليم من دينامية اقتصادية مرتبطة بالبحث العلمي واحتضان الكفاءات.
راج الحديث مؤخرا عن قرب إحداث هذا المشروع (كلية الاقتصاد والتدبير والتمنية المستدامة) بعد المصادقة عليه من طرف الجامعة ومن طرف المجلس الحكومي، وبقرب المصادقة على إحداث كلية العلوم القانونية كذلك بعد مصادقة الجامعة في انتظار المصادقة عليها في المجلس الحكومي.
لكن السؤال المطروح: من يدري ونحن على بعد أقل من أربعة أشهر على إجراء الانتخابات التشريعية التي ستنبثق عنها الحكومة (حكومة المونديال) من يدري ماهي هندستها ومن يدري ما هو التوجه الذي ستعتمده في التنزيل الفعلي لهذبن المشروعين، لذلك من حق المواطن التيزنيتي أن يتخوف من إلغائهما سيما وقد الغي من قبل رغم كل الاجراءات المتخذة لانجازه، فالمواطن لم يعد يثق إلا بالإنجاز عملا بالمثل الأمازيغي : ” أدور تنيت تبارك الله أركيغ كشمن اثنين أولك ” أو بالمثل القائل: ” أدور تنيت تگا الرزق أركيغ تگا أخسيس »
اتفاقية إصلاح وتهيئة بعض المحاور الطرقية بالإقليم:
صادق المجلس الإقليمي في الولاية الانتدابية السابقة التي ترأسها الجهات عبد الله غازي ووزير النقل واللوجستيك في عهد حكومة العدالة والتنمية على اتفاقية لتهيئة محاور طرقية بالأقليم وتمت المصادقة عليها من طرف الجهات المختصة، ورغم ذلك ألغيت بسبب ما سماه عبد الله غازي ” تخنلاست” في إحدى حواراته ومعناها كون الوزارة المكلفة أنجزت في الشطر الأول محاور طرقية حسب رغبة نائبه آنذاك المنتمي لحزب العدالة والتمنية بإيعاز أو بدعم من عبد الجبار القصطلني بصفته مستشار وزير التجهيز آنذاك ، غير أن وزارة التجهيز عزت إلغاء الاتفاقية بكون المجلس الإقليمي لم يتمكن من تعبئة حصته، وكلنا نتذكر السجال الذي دار بين الوزير اعمارة وعبدالله غازي ذات مرة حينما قام وزير التجهيز بزيارة إلى اقليم تيزنيت. فعلى الرغم من توقيع الاتفاقية بين الأطراف والمصادقة وإنجاز بعض المحاور على قلتها لم يكتمل إنجاز باقي المحاور على أهميتها.
ساهم هذا التأخر بشكل كبير في تفاقم تدهور الشبكة الطرقية بالاقليم. وإذا ما قارننا اقليم تيزنيت بالاقاليم المجاورة لها إفني جنوبا وشتوكة أيت باها شمالا فسيتضح لك بون شاسع وفرق واضح.
2) وعود مركزية تتبخر محليا، “أزمة النقل العمومي”:
النقل الحضري نموذج صارخ للفجوة بين الخطاب المركزي والتنزيل المحلي، فقد صرح عبد الصمد قيوح وزير النقل في مهرجان خطابي نظمه حزبه – حزب الاستقلال- بإطلاق حافلات النقل العمومي وبكون الاقليم سيستقبل حافلات جديدة وحدد يوم 25 من شهر ماي الجاري لعملية التسليم، وذلك لتجاوز أزمة التنقل التي يعاني منها سكان المدينة والجماعات المجاورة، لكن رئيس مجموعة الجماعات الترابية المعنية بالتدبير المفوض نفى وجود أي التزام رسمي أو برمجة قريبة للمشروع. هذا التضارب في التصريحات خلق ارتباكا لدى الساكنة، وأبقى الاعتماد على سيارات الأجرة الصغيرة والكبيرة والنقل المزدوج و”العتاقة” كخيار وحيد رغم العراقيل التي بواجهونها في غياب النقل العمومي مما حرم سكان الاقليم خاصة الفئات الهشة من الخدمات الأساسية، ويساهم بشكل كبير في رفع كلفة التنقل.
3) مشاريع الطرق الكبرى: تأخر استراتيجي بكلفة اقتصادية:
المقطع الطرقي الرابط بين الطريق السيار طنجة/أمسكروض والطريق السريع تيزنيت/العيون:
يُعتبر هذا المقطع حلقة وصل حيوية تربط بين شمال المملكة وجنوبها، وكان يُنتظر منه تقليص المدة الزمنية لنقل البضائع والمسافرين، وتعزيز موقع تيزنيت كصلة وصل لوجستيكية، لكن إنجازه عرف تأخرا كبيرا لأسباب تتعلق بالتمويل والدراسات التقنية خلق اختناقا مروريا على المحاور القديمة التي تعبر عدة مراكز قروية (سيدي عبو، بلفاع، ايت وطيب، إنشادن، تين منصور، سيدي بيبي، وصولا إلى أيت ملول، ثم إلى أگادير عبر تكوين أو إنزگان، وكلها تعرف ازدحاما مروريا رفع المدة الزمنية إلى ساعتين في مسافة لا تتجاوز 100 كلم.
4) أشغال تهيئة مدينة تيزنيت:
تعرف مدينة تيزنيت خلال الآونة الأخيرة بداية إنجاز بعض أشغال التهيئة الحضرية في إطار اتفاقية متعدد الأطراف تشمل عدة قطاعات ومؤسسات حكومية ومنتخبة، لكن التخوف الذي يراود سكان تيزنيت – وأنا واحد منهم – هو عدم كفاية الاعتمادات المالية المرصودة مقارنة مع النقص الحاصل في مجمل أحياء المدينة وشوارعها الكبرى والمتوسطة والصغيرة وأزقتها التي تفتقر إلى التجهيزات الأساسية، خاصة الأحياء الملحقة (دو ترگا، تمدغوست، بوتيني..) التي لا تتوفر على الحد الأدنى من التجهيزات المتعلقة بالبنية التحتية من قنوات الصرف الصحي والإثارة العمومية، والحدائق والمنتزهات وغيرها، وهناك أحياء ناقصة التجهيز وما أكثرها أذكر منها حي أفراگ، الحي الصناعي، أخحياء النخيل حاما، العبور، العين الزرقاء، رياض النصر، تجزئة اتفاق، وغيرها أحياء بتجهيزات ناقصة وطرق مهترئة تقتقر إلى الإنارة ، الأرصفة، التشجير، والتشوير الطرقي…
5) منجزات المجلس الإقليمي التي لا ترقى إلى المستوى المطلوب:
بالرغم من المبذولة من طرف المجلس الإقليمي رئاسة ومكتبا وأعضاء وإدارة للرقي بمستوى الخدمات والانجازات التي يشرف على إنجازها سواء في مجال الطرق والمسالك القروية والشراكات التي يعقدها في مجال التزود بالماء، وتلك المتعلقة بالتنمية الاجتماعية (النقل المدرسي، السكن الجامعي، نقل المرضى وجثت الموتى، ومساهمة في تعميم التعليم الأولي، محاربة الفقر والهشاسة، في المجال الرياضي، والثقافي، وتدخلاته في التنشيط الترابي، وغيرها….) تبقى هذه المجهودات ناقصة مقارنة مع تطلعات السكان للحصول على حقهم في التنمية سيما وقد اعتمد المجلس الإقليمي المقاربة الحقوقية سواء في الولاية الحالية أو في الولاية الانتدابية السابقة، لكن قلة الإمكانيات وضعف الموارد المادية حال دون الوصول إلى الهدف المنشود.
ويكفي أن أسوق هنا مثالا واحدا: فبالرغم من كون المجلس الإقليمي يرصد سنويا 1000.000 (مليون درهم،/100 مليون سنتيم) علاوة على مصاريف التأمين التي تناهز 400.000 درهم (40 مليون سنتيم) إضافة إلى مجهوداته من أجل تعبئة موارد أخرى في إطار شراكات من أجل اقتناء حافلات النقل المدرسي، وأخرى من أجل تسيير أسطول المدرسي الذي يناهز 168 حافلة بالاقليم، إضافة إلى مواكبة الجمعيات المدبرة للنقل المدرسي على مستوى الاقليم، على الرغم من هذا المجهود كله فإنها تبقى جد محدودة ولا ترقى إلى مايتطلع إليه المجلس الإقليمي نفسه فمابالك أن يستجيب لتطلعات السكان وانتظارهم.
ويكفي فقط أن أسوق هنا مثالا : إذا ما تم تقسيم مليون درهم على عدد التلاميذ المستفيدين من خدمات النقل المدرسي فإن المعدل الذي يساهم به المجلس الإقليمي لايكاد يفوق 100 درهم سنويا لكل تلميذ وبالتالي هل تكفي 100 درهم سنويا لتغطية مصاريف النقل المدرسي ؟ أكيد لا ، فلولا تدخل الجمعيات والمحسنين والجماعات بشكل أكبر لعرف الاقليم أكبر نسبة من الهدر والانقطاع المدرسي، ولكن الله سلم، وقس على ذلك باقي المجالات (دور الطالب، الجمعيات الرياضية، الجمعيات التنموية، الجمعيات المهتمة بالتنشيط الترابي، الجمعيات التي تعنى بالأشخاص في وضعية إعاقة والأشخاص في وضعية هشة وغيرها…
وبالتالي فإن لكل تأخر ثمن ولكل تقصير كلفة وآثار سلبية منها ماهو:
~ اقتصادي: ارتفاع كلفة النقل للمنتجات الفلاحية والسمكية، ما يُضعف تنافسيتها.
~ اجتماعي: استمرار عزلة بعض الجماعات القروية وزيادة حوادث السير على المقاطع المهترئة.
~استراتيجي: تفويت فرصة استثمار الموقع الجغرافي لتيزنيت كبوابة نحو الأقاليم الجنوبية، في وقت تتجه فيه الدولة لتعزيز البنية الطرقية بالأقاليم الصحراوية، جنوبا والأقاليم الأخرى شمالا.
6) الأسباب العميقة لأعطاب التنمية:
هذه التعثرات ليست معزولة، بل تعكس اختلالات بنيوية نذكر بعض أسبابها :
أولا ● التركيز على الفوز في الانتخابات والظفر بأكبر عدد من المقاعد في الانتخابات والطموح في المواقع والمراكز والمناصب كهدف وليس كوسيلة لتحقيق التنمية، وهو ما يعتبره البعض إنجازا في حين أن ما يهم المواطن هو الإنجاز التنموي وليس عدد المقاعد التي فاز بها هذا الحزب أو ذاك.
ثانيا● ضعف الالتقائية وغياب التنسيق المحكم بين القطاعات الوزارية والمجالس المنتخبة يؤدي إلى تضارب الأولويات.
ثالثا● هشاشة التعاقد: توقيع الاتفاقيات لا يضمن التنفيذ إذا لم تُرفق بجدولة مالية دقيقة وآليات تتبع ملزمة.
رابعا● مركزية القرار: بقاء القرار المالي والإداري بيد المصالح المركزية يُبطئ إخراج المشاريع رغم مصادقة المجالس المحلية عليها.
خامس
ا● غياب المحاسبة وعدم ربط المسؤولية بالمحاسبة، ذلك أن الجهات المسؤولة عن إلغاء أو تأخير المشاريع لا تحاسب مما يشجع على تكرار نفس الأعطاب.
خلاصة: تشخيص الأعطاب مدخل إلى الإصلاح:
تعيش تيزنيت مفارقة غريبة بحيث يتوفر إقليم على مؤهلات بشرية وطبيعية وموقع استراتيجي متميز، مناخ جيد، لكنه يصطدم بجدار تأخر المشاريع أو إلغائها بعد استيفاء كل الشروط. ولتجاوز هذا الوضع ينبغي الانتقال من منطق “الاتفاقيات” إلى منطق “الالتزامات التعاقدية” المقرونة بجزاءات في حالة الإخلال بالتعاقدات، مع تفعيل الجهوية المتقدمة لمنح صلاحيات حقيقية للمنتخبين في برمجة وتنفيذ المشاريع، لكن هذا الأمر يبدو أنه مستبعد في الوقت الراهن لكون الدولة تتجه إلى انتداب شركات التنمية المحلية في إنجاز المشاريع وتنفيذها بدل المنتخبين، – موضوع تعديل القانون التنظيمي 111/14 المتعلق بالجهات، وهو ما سيعزز أكثر سلطة العمال والولاة ويحد من سلطة المنتخبين، لكن هذا لا يمنع من المطالبة بتفعيل مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة، وبالتالي ينبغي محاسبة أي مسؤول كيفما كان سواء أكان معينا أم منتخبا.
خلاصة الخلاصات: لابد من العمل ثم العمل ثم العمل، وصدق الله العظيم إذيقول في محكم التنزيل :(وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمومنون)، فالمواطن لم يعد يصدق إلا ما تراه عيناه من المنجزات ويلمس أثرها في الوافع، فالتنمية لا تحتمل المزيد من الوعود المؤجلة، فكل مشروع أُلغي بعتبر بمثابة فرصة ضائعة لجيل كامل، وكل طريق تأخر يعتبر بمثابة نزيف اقتصادي يومي ينذر بوضع أكثر هشاشة.
الثالثة و20 دقيقة صباحا من يومه الأربعاء 12 ماي من سنة 2026 وحرر بقلم عبد الله أكنكو (المعروف ب: بلمودن) مواطن من سكان تيزنيت.
(تيزنيت تيتريت أيرحم ربي ماستيد إفلن إگتين غ الجنة)



تعليقات