الأربعاء 24 يونيو 2026| آخر تحديث 3:36 05/09



الضفة الشرقية لمدينة تيزنيت: بين حداثة النشأة وإرث التهميش.

الضفة الشرقية لمدينة تيزنيت: بين حداثة النشأة وإرث التهميش.

سعيد رحم – تيزبريس.

في صمت مطبق، ووسط غياب شبه كامل عن الخرائط الذهنية لصناع القرار في السياسات العمومية المحلية والمجلس الجماعي، تقبع أحياء الضفة الشرقية لمدينة تيزنيت، وتحديدا النخيل، العين الزرقاء، حاما1 و2، العبور، الحي الصناعي، تجزئة الاتقاق، تجزئة رياض النصر، كنموذج صارخ لـ”اللاعدالة المجالية”. فالمفارقة الصارخة أن هذه الأحياء لم تنشأ نتيجة فوضى عشوائية أو امتداد غير قانوني، بل هي من الأحياء الحديثة نسبيا، إذ انطلقت حركة التعمير بها منذ حوالي 30 سنة فقط، أي أنها تنتمي إلى مرحلة التوسع المدروس خارج السور القديم للمدينة مع طفرة التعمير وحركية اقتصادية ملموسة عرفتها تيزنيت مع مطلع الثمانينات وبداية استقرار شريحة واسعة من الموظفين في المدينة. لكنه مقارنة بباقي أحياء المدينة، تحولت الضفة الشرقية وكل أحيائها الحديثة إلى “منطقة انتظار” بلا تاريخ تنموي يذكر.
المفارقة أنه لا يمكن اختزال هذه الضفة في قالب الأحياء الصفيحية أو العشوائية، بل إن تركيبة الساكنة تكشف عن حضور لافت للطبقة الوسطى والموظفين، وأرباب الأسر المستقرة. لكن هذه “الوسطية” الاجتماعية لم تترجم إلى خدمات لائقة أو بنية تحتية تليق بمكانة السكان الذين يؤدون الضرائب ويمارسون واجباتهم في المواطنة الضريبية ويساهمون في الاقتصاد المحلي، دون أن يعود عليهم شيء من الفائض الحضري للمدينة.
يعاني الحي من تراكم غير مسبوق للضرر المادي والمعنوي مع كل المجالس الجماعية، مما يستدعي تدخلا عاجلا من نوع “جبر الضرر” تجاوزا للإهمال المتراكم. فإلى جانب غياب التهيئة الطرقية (شوارع غير معبدة، غياب الأرصفة، انعدام الإنارة العمومية الكافية..)، توجد منشآت جارحة للنظام الحضري من مطرح جماعي للنفايات، الذي تحول إلى كارثة بيئية وصحية، والسجن المحلي، الذي يضفي على المكان رمزية عقابية في المخيال الحضري لساكنة هذه الضفة.. مزيج السجن والمزبلة جعل من الحي منطقة منسية بحكم الأمر الواقع، رغم حداثة تصميمه العمراني..

سوسيو اقتصاديا، تعاني الضفة من بطء استثنائي في الدينامية الاقتصادية، وضعف الحركية التجارية الحضرية، كلها مؤشرات على عزلة اقتصادية تزيد من تهميش السكان وتدفعهم إلى الاستهلاك خارج محيطهم. هذا البطء يجرد المنطقة من أي قدرة على التموقع في ديناميات المدينة الاجتماعية، محولا إياها إلى مجرد “مرقد نوم جماعي dortoir” بلا روح اقتصادية.

أخطر ما تعاني منه الضفة الشرقية، والذي يفاقم كل المشاكل السابقة، هو غياب أي مخطط تهيئي أو تصور نظري لإدماجه في النسيج الحضري للمدينة. لا وجود لرؤية كبرى تعيد توزيع الوظائف الحضرية، ولا لدراسات سوسيولوجية أو حضرية جادة تشخص الخلل أو لمسة منظرية جمالية.. الحي يُدار كـ”منطقة انتظار” وكأن سكانه مقيمون بشكل مؤقت، بينما هم يعيشون فيه منذ ثلاثة عقود، معزولين تماما عن المشهد الحضري بالمدينة، وكأن الضفة الشرقية بأكملها تقع خارج الخريطة الذهنية للمخططين. بل إن جماعة تيزنيت حاليا تعطي الأولوية، وإن متأخرة، للأحياء الملحقة، ليس فقط لكونها مادة إعلامية وتسويقية بارزة، ولكن أيضا لأن قيمتها السوقية في أصوات السوق الانتخابية مرتفعة، مما يترتب عنه إقصاء مناطق مثل الضفة الشرقية التي لا تحظى بهذا الوزن الانتخابي نفسه، وأن الاتجاهات الانتخابية بها غير متحكم فيها.

والأكثر إثارة للقلق أن الامتدادات العمرانية المستقبلية المقترحة، كتمديد العمران في طريق شاطئ أكلو ونحو الضفة الغربية، ستفاقم من عزلة وتهميش الضفة الشرقية، وتحولها إلى مساحة خلفية أكثر إهمالا. لذلك فإن أي توسع حضري نحو غرب المدينة، دون برامج موازية لجبر الضرر المجالي في الشرق، لن يكون سوى ترسيخ لسياسة اللامساواة في توزيع العدالة المجالية. لذا بات من الضروري، قبل أي مشروع تمدد عمراني غربي، العمل على جبر الضرر المجالي للضفة الشرقية، من خلال برامج استعجالية للتهيئة والربط بشبكات النقل وتحفيز الدينامية الاقتصادية وتوطين مرافق عمومية، وإلا ستتحول التنمية الحضرية إلى أداة إقصاء صامتة.

هذا التهميش الممنهج لا يمكن تحميله للمخططين وحدهم، فالضفة الشرقية تتحمل فيه الساكنة جزءا من مسؤولية استمرار هذا الوضع، بسبب ضعف النسيج الجمعوي وجمعيات الأحياء، وتلكؤ الطبقة الوسطى التي تحتضنها هذه المنطقة في الدفاع عن حقهم في التنمية والعدالة المجالية داخل المدينة. فغياب الصوت المدني الموحد والضاغط والاحتجاجي والترافعي يجعل من السهل تجاوز هذه المناطق في جداول الأولويات.

آن الأوان لفتح نقاش عمومي حقيقي حول الضفة الشرقية للمدينة، نقاش متعدد القراءات. قراءة تنموية تسأل، كيف يمكن إنعاش اقتصاد الضفة الشرقية وديناميته عبر مناطق أنشطة صغرى عمومية وخاصة؟ وقراءة سوسيولوجية تنبش في تأثير العيش بجوار السجن والمطرح على الصحة النفسية وجودة الحياة؟ وقراءة حضرية تبحث في إعادة ربط الحي بشبكات النقل، وتهيئة الشواراع ،وخلق محاور وظيفية مع باقي المدينة.

الضفة الشرقية ليست مجرد مجموعة من الشوارع غير المعبدة، إنه رمز لعلاقة المدينة بمناطقها المهمشة، حتى تلك التي نشأت “حديثة” و”خارج السور”. إن استمرار تجاهل هذا الحي يعني ترسيخ ثقافة المواطنة “درجتين”، ويغذّي شعورا عميقا بالاحباط الحضري وانتهاك الحق في المدينة.. التنمية الحقيقية تبدأ حيث ينتهي الإقصاء، وحيث يُنسج الحل الحضري بخيوط الاقتصاد والكرامة الإنسانية..حان وقت أن تعبر الضفة الشرقية إلى قلب المشهد، وآن أوان جبر ضررها..







تعليقات

  • تدهور طرقات وازقة تجزئة رياض النصر مع ضعف الإنارة العمومية وكثافة الاعشاب في ارصفتها حولت حالتها الى مسالك قروية مليئة بالحشرات السامة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.