الجمعة 5 يونيو 2026| آخر تحديث 12:54 01/28



في مأزق الدولة «الوطنية

بقلم محمد ضريف //  تواجه الدولة الوطنية في العالم الثالث إشكالات مختلفة من «الأصوليات»: دينية وثقافية وسياسية، وتعمل على صياغة استراتيجيات لاحتوائها، غير أنها تنسى مواجهة عامل أساسي ساهم، إلى حد كبير، في إنتاج هذه الأصوليات يتجلى في أصولية الدولة الوطنية نفسها. شكل توحيد السلطة والمجتمع منطلق بناء الدولة في الغرب الليبرالي، وكان مدخلُ توحيد السلطة هو التوافق من أجل وضع مجموعة من القواعد والضوابط التي تساعد على التداول السلمي لهذه السلطة، وعلى رأس هذه القواعد والضوابط دستور ينظم هذا التداول وآليات…

تسمح بإجراء انتخابات تنافسية، أما مدخل توحيد المجتمع فتحدد أساسا في ترسيخ فكرة «المواطنة». إن الدولة الوطنية في العالم الثالث، منذ تأسيسها وخلال مسار تشكلها، سعت إلى توحيد السلطة وتوحيد مكونات المجتمع، غير أن الآليات التي اعتمدت في عملية «التوحيد» أسقطتها في نزعة أصولية مفرطة، فتوحيد السلطة أصبح احتكارا لها، وتوحيد المجتمع أريد له أن يتحقق عبر «قمع» الاختلاف. لا يمكن فصل الأصولية عن الاستئصال، فالأصولية في جوهرها هي رغبة في فرض وصاية على الآخر، من جهة، ونزعة لاستئصال المخالف، من جهة أخرى، وهذا هو واقع الدولة الوطنية في العالم الثالث، فبدعوى توحيد المجتمع تتم شرعنة محاولات إلغائه، وبدعوى توحيد السلطة يتم تبرير قمع المعارضين.
 إن تاريخ الدولة الوطنية في العالم الثالث هو تاريخ سجن المخالفين وتاريخ الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان، وهكذا يبدو أن أصولية هذه الدولة لم تفض إلى إنتاج نقيضها وإنما أفضت إلى إنتاج شقيقتها: معارضة أصولية ذات نزعة وصائية واستئصالية.
 منذ حصول بعض مجتمعات العالم الثالث على استقلالها وتوجهها نحو إرساء دعائم الدولة الوطنية، كانت هناك رغبة في بناء سلطة شديدة التمركز في محاولة للتحكم في مجمل التناقضات العقدية والثقافية وصهرها في بوثقة واحدة. إن الهدف كان نبيلا في حد ذاته، فالدولة الوطنية بطبيعتها مسكونة بهاجس (الوحدة): وحدة السلطة ووحدة الشعب، غير أن الآليات التي اعتمدت لتحقيق ذلك لم تكن في مستوى الهدف النبيل، حيث فرضت آليات القهر نفسها في التحكم في اتخاذ القرار كما أن هذا القهر حضر بقوة في تدبير التناقضات العقدية والثقافية.  منذ البداية، اعتمدت الدولة الوطنية في العالم الثالث سياسة ثقافية أحادية تتحدد مضامينها وفق الميولات الإيديولوجية والسياسية للمتحكمين في زمام السلطة دون اهتمام بالتنوع الثقافي الذي يزخر به المجتمع، وهكذا في لحظة من اللحظات أصبحت الدولة في العالم الثالث في مواجهة مفتوحة ضد مجتمعها عوض أن تكون إطارا تمثيليا له.
 إن هذا التناقض بين أحادية السياسة الثقافية المعتمدة وتنوع الثقافات السياسية للمجتمع يفسر، إلى حد كبير، أزمة الهوية التي تعاني منها الدولة الوطنية في العالم الثالث، وهي التي تفسر بالتالي ظهور حركات الاحتجاج الاجتماعي بمختلف ألوانها، سواء اتخذت لونا ثقافيا أو دينيا، كما أن عدم قدرة هذه الدولة على تدبير التنوع الثقافي يساهم، إلى حد كبير، في إضعاف قدرتها الإدماجية، حيث لا تتمكن من تكييف سلوك المحكومين وفق إيديولوجيتها الرسمية، وهنا لا يبقى من مخرج أمامها إلا التركيز على آليات القهر من خلال الاستعانة بخدمات أجهزتها القمعية مادامت أجهزتها الإيديولوجية لم تعد تنفع في شيء.
 من بين أسباب نجاح مشروع الدولة الوطنية في التجربة الديمقراطية الليبرالية قدرة السلطة السياسية على ترسيخ ثقافة الدولة لدى مواطنيها، فرغم وجود ولاءات فرعية لأسباب مجالية أو إثنية أو سياسية فإن الولاء يظل، أولا وأخيرا، للدولة ككيان سياسي واجتماعي يجسد «المشترك». لم ينجح مشروع الدولة الوطنية، إذن، من خلال إلغاء الولاءات «الفرعية»، بل بالتقريب بينها وتوجيهها نحو الولاء للدولة. لقد قوت الآليات الديمقراطية الشعور بالانتماء إلى الدولة، كما أن استناد النخبة الحاكمة إلى المشروعية «العقلانية» أفضى إلى تكريس سلطة المؤسسات بدل سلطة الأشخاص. إن الأمرين معا ساهما، إلى حد كبير، في ترسيخ ثقافة الدولة بدل ثقافة السلطة. إن المسار الذي سلكه بناء مشروع الدولة الوطنية في العالم الثالث هو، بكل تأكيد، مسار مختلف. فالسلطة الحاكمة لم تكن تتوفر على الإرادة الكافية لتدبير الولاءات الفرعية بشكل يسمح بإبراز «المشترك» بينها في اتجاه تشكيل ولاء «مركزي» للدولة ككيان موحد وجامع، فهذه السلطة السياسية «الثالثية» سعت باستمرار إلى اللعب على الولاءات «الفرعية» وتضخيم تناقضاتها، أمر يساعد اليوم على إدراك أسباب هذا التحول في طبيعة هذه الولاءات التي تحولت من ولاءات «فرعية» إلى ولاءات «مضادة» تستهدف كيان الدولة نفسه. ازداد الأمر حدة باعتماد الحاكمين على «مشروعيات» تتنافى مع المشروعية «العقلانية»، وفي مقدمتها المشروعية «الكارزمية»، حيث أصبح الولاء لشخص «الحاكم الملهم». لقد غيبت المشروعية الكاريزمية ثقافة المؤسسات وأحلت محلها ثقافة الأشخاص، وهنا يكمن جزء من مأزق الدولة الوطنية في العالم الثالث، حيث يحضر الولاء للسلطة ويغيب الولاء للدولة. سعت الدولة الوطنية في العالم الثالث إلى بناء دعائمها انطلاقا من النموذج الذي فرض عليها من قبل المستعمر. وهو نموذج وإن كان في الظاهر يروم إقامة دولة على النمط اليعقوبي، مهووسة بنزعة مركزية شديدة على المستويين السياسي والثقافي، فإنه في العمق يساهم في الإبقاء على آليات التشرذم والتجزئة. إن هذا الواقع هو الذي يفسر الأسباب التي كانت وراء مأزق الدولة الوطنية في العالم الثالث حاليا. فعوض أن تعمل على تشكيل شعب يتصف بهوية محددة، عملت على تكريس التناقضات الإثنية والثقافية. وهكذا أصبحت وظيفة هذه الدولة ليست هي تجاوز التناقضات وإنما ضمان التعايش بينها. عجز الدولة الوطنية في العالم الثالث عن تذويب الاختلافات بين الكتل البشرية المكونة لها جعلها تشتغل بآليات الدولة ما قبل الوطنية، أكيد أن لهذا الأمر أسبابه الموضوعية، فشروط بناء الدولة الوطنية غير متوفرة، حيث فهناك غياب الثقافة المؤسساتية إضافة إلى هيمنة اقتصاد «الريع» على اقتصاد «السوق» وهشاشة الطبقة الوسطى. إن الدولة في العالم الثالث، ورغم عمليات الشحن الإيديولوجي التي تتمثل في كتابة تاريخ خاص بها يبرز وحدة ثقافة مجتمعها وتميزها عن الكيانات السياسية الأخرى، لم تنجح في تنزيل خطابها الإيديولوجي على أرض الواقع وتحويله إلى استراتيجية عمل في اتجاه بناء الوحدة الوطنية على أكثر من مستوى.. بعد عقود من حديث النخب الحاكمة في العالم الثالث عن نجاحها في بناء الدولة الوطنية وبعد معاينة مجمل التوترات السياسية والثقافية التي طفت على السطح مؤخرا، أصبح من الضروري طرح تساؤلات حول مآلات هذه الدولة.
 تبدو الدولة الوطنية في العالم الثالث غير قادرة على تأمين استمراريتها إلا من خلال الاستحضار الدائم للإيديولوجيا الوطنية، ففترة الكفاح من أجل الحصول على الاستقلال تشكل جوهر المرجعية التي تحيل عليها السلطة الحاكمة وتسعى إلى تذكير جميع المحكومين بمتطلباتها. لماذا هذه الإحالة باستمرار على الإيديولوجيا الوطنية؟ إن جزءا من الإجابة يكمن في كون السلطة السياسية تدرك أهمية إشاعة روح التعبئة لدى محكوميها، فاستقرار هذه السلطة رهين بالنجاح في خلق شعور عام بما يواجهه «الوطن» من مخاطر وتحديات تستوجب إجماعا لرفعها. إن استحضار الإيديولوجيا الوطنية ليس غاية في ذاته وإنما هو وسيلة للبحث عن «الإجماع الوطني»، هذا الإجماع الذي يستوجب تجاوز التناقضات من جهة، وتقديم تضحيات من جهة أخرى، وهكذا تبرر السلطة الحاكمة إخفاقها في تحديث مجتمعاتها وتلبية حاجيات محكوميها، اجتماعيا واقتصاديا، كما تبرر فشلها على مستوى احترام حقوق الإنسان وتكريس الممارسة الديمقراطية. لا تروم النخبة السياسية الحاكمة القفز على التناقضات فقط، بل تعبئة المحكومين وراء هدف محدد. ومن هذا المنظور، تغدو وظيفة الإيديولوجيا الوطنية ضرورية على مستوى «التحشيد»، ذلك أن السلطة الحاكمة تكون في حاجة دائمة على طرح قضايا تعتبرها (مصيرية)، ولا يجب -في التعاطي معها- استحضار الحسابات السياسية الضيقة.
 يتسم الأداء السياسي للنخبة الحاكمة بكونه غير قادر على إيجاد حلول جذرية للتناقضات التي يعاني منها المحكومون، بل هو قادر فقط على تأجيل انفجارها. وهنا تلعب الإيديولوجيا الوطنية، مرة أخرى، دورا هاما، حيث تقدم التناقضات الداخلية باعتبارها تناقضات ثانوية ينبغي تأجيل النظر فيها إلى حين مواجهة التناقضات الرئيسية التي يمثلها أعداء خارجيون.// عن المساء