في وقت يزداد فيه الحديث عن إصلاح المنظومة التعليمية بالمغرب، تظل المؤسسات العمومية رهينة أوضاع متردية تعكس فجوة واسعة بين الخطابات الرسمية وواقع الفصول الدراسية. ففي ثانوية الوحدة التأهيلية بتيزنيت، تجاوز الاكتظاظ كل الحدود، وتحولت المؤسسة إلى مرآة لأزمة بنيوية تتسع يوما بعد يوم، وسط تحذيرات من أن استمرار هذا التدهور سيُجهز على الحق في التعليم وجودة الحياة المدرسية.. وفي هذا السياق، وجه المكتب الإقليمي للجامعة الوطنية للتعليم ( fne التوجه الديمقراطي) نداء استغاثة عاجلا لمديرية التعليم، محذرا من تداعيات كارثية تهدد الموسم الدراسي المقبل.
ففي مذكرة رسمية رُفعت إلى الجهات المعنية، كشف المكتب الإقليمي للجامعة الوطنية للتعليم عن أوضاع “مزرية” تعيشها ثانوية الوحدة التأهيلية بتيزنيت، نتيجة اكتظاظ غير مسبوق تجاوز بكثير طاقتها الاستيعابية، محذرا من أن هذا الوضع بات يهدد مستقبل المؤسسة وسلامة التلاميذ والأطر التربوية على حد سواء.
وأوضحت المذكرة، التي توصلت تيزبريس بنسخة منها، أن الثانوية تشهد ارتفاعا مضطردا في أعداد التلاميذ، حيث تجاوز معدل الاكتظاظ في بعض الأقسام حاجز 40 تلميذا، في وقت لا تتجاوز فيه الطاقة الاستيعابية العادية لهذه المؤسسة نسبة تفوق بأضعاف ما هو مسموح به بيداغوجيا، مما يحول دون توفير تعليم جيد وفعال، ويجعل الفصول الدراسية أشبه بـ”عنابر ضغط” بدلا من أن تكون فضاءات للتعلم والإبداع.
كما رصد المكتب الإقليمي تداعيات خطيرة لهذا الاكتظاظ، أبرزها:
· ضغط متزايد على هيئة التدريس والإدارة، حيث أصبحت الأطر التربوية تواجه صعوبات جمّة في التدبير اليومي، فضلا عن استنزاف جهودها المعنوية والمادية في ظل غياب الدعم اللوجستيكي الكافي.
· عدم كفاية المرافق الصحية التي باتت غير قادرة على استيعاب هذا العدد الضخم من المتعلمين، مما يُهدد شروط الصحة العامة والنظافة، خاصة في ظل انتشار بعض الأمراض الموسمية.
· اكتظاظ خطير في الساحات والممرات خلال فترات الاستراحة والخروج والدخول، وهو ما يشكل خطرا داهما على سلامة المتعلمين، ويعيق مهام تعزيز الأمن المدرسي داخل المؤسسة ومحيطها، في ظل غياب تدابير وقائية كافية.
· تدهور سريع في البنية التحتية والتجهيزات نتيجة الضغط المستمر عليها، مما أسهم في تراجع جاذبية المؤسسة كفضاء تربوي، وفقدانها لبيئة التعلم المنشودة.
وشدد المكتب الإقليمي على أن هذه الأوضاع ليست طارئة أو مؤقتة، بل نتاج تراكم سنة بعد سنة، حيث تشهد المنطقة ارتفاعا سكانيا متزايدا دون مواكبة ذلك بمرافق تعليمية كافية. وفي هذا السياق، أعرب المكتب عن “تخوفه البالغ” من تفاقم الأوضاع خلال الموسم الدراسي المقبل 2026/2027، خاصة في ظل التوقعات بارتفاع عدد التلاميذ إلى مستويات قياسية جديدة، مما يُنذر بـ”كارثة تربوية” حقيقية إن لم يُتخذ تدخل استباقي وعاجل.
ومع ذلك، فإن ما يزيد الطين بلة، وفق المصدر ذاته، هو أن المؤسسة لم تشهد أي توسعة أو إعادة هيكلة منذ سنوات، في وقت تشهد فيه المنطقة توسعا عمرانيا وديموغرافيا ملحوظا، مما يجعل الحلول الترقيعية غير مجدية على الإطلاق، ويستوجب تدخلا جذريا وهيكليا.
وانطلاقا من مسؤولية الجامعة الوطنية للتعليم في الدفاع عن التعليم العمومي وكرامة نساء ورجال التعليم، ونضالها من أجل دمقرطة النظام التعليمي وتحسين ظروف العمل، وضع المكتب الإقليمي بين يدي المسؤولين جملة من المطالب الملحة:
1. إعادة التوزيع العادل للتلاميذ على المؤسسات التعليمية المتواجدة بالإقليم، كإجراء مستعجل لتخفيف الضغط عن ثانوية الوحدة، على أن يراعى في ذلك التقارب الجغرافي وظروف التلاميذ.
2. الإسراع بإحداث مؤسسة تعليمية جديدة كحل هيكلي دائم يضمن الحق في تعليم جيد وظروف عمل لائقة، مع تحميل جماعة تيزنيت مسؤوليتها الكاملة في التدبير الحضري للتعليم، وفي مخططات تهيئة المدينة التي طالما تجاهلت الحاجيات التعليمية للساكنة.
وختم المكتب الإقليمي مذكرته بتحذير شديد اللهجة، أكد فيه أن استمرار الوضع الحالي سيكون له “انعكاسات وخيمة على مستقبل هذه المؤسسة التعليمية، وإجهاز على الحق في التعليم، والحق في المدينة وجودة إطار العيش”، مشيرا إلى أن التعليم كخدمة عمومية لا يقبل المساومة ولا التماطل في حل أعطابه، وأن استمرار تجاهل هذه المطالب سيدفع الجامعة إلى خيارات نضالية أخرى.
ويأتي هذا التحذير في سياق تصاعد الأصوات المطالبة بإصلاح عميق وجذري للمنظومة التعليمية بالمغرب، خاصة في ما يتعلق بالبنية التحتية والموارد البشرية، في وقت تعاني فيه العديد من المؤسسات التعليمية من أوضاع مماثلة في المدينة القديمة والاحياء الملحقة، مما يجعل ملف التعليم العمومي والعدالة المجالية في توزيع المؤسسات التعليمية بالمجال الحضري بالمدينة واحدا من أكبر التحديات التي تواجه تيزنيت في العقد الحالي.



تعليقات