تعيش منطقتا “دوتركا” و”أتبان” التابعتان لجماعة أكلو بإقليم تيزنيت، على وقع وضع بيئي مقلق وخطير، في ظل استمرار تدفق كميات كبيرة من المياه العادمة ومياه الصرف الصحي التي غمرت الحقول الزراعية المجاورة، متسببة في أضرار بيئية وصحية متفاقمة، وسط تنامي مخاوف الساكنة من تحول المنطقة إلى بؤرة للأمراض والأوبئة مع ارتفاع درجات الحرارة.
وحسب معاينات ميدانية وشهادات لعدد من السكان، فقد امتدت مجاري المياه الملوثة على مسافات طويلة مخترقة الأراضي الفلاحية والمنازل، خاصة بدوار أتبان، حيث باتت الروائح الكريهة والناموس والبعوض والفئران جزءاً من المشهد اليومي الذي يؤرق الساكنة ويهدد سلامتها الصحية والنفسية. كما أكد متضررون أن بعض المنازل أصبحت محاصرة بالكامل بمستنقعات المياه العادمة، في ظل غياب أي تدخل فعلي لاحتواء الوضع.
وأثار استمرار استغلال هذه المياه الملوثة في سقي بعض الزراعات، من بينها أشجار الزيتون والفصة وعدد من المنتجات الفلاحية التي يتم تسويقها داخل الأسواق المحلية، موجة استياء واسعة وسط الساكنة، بالنظر إلى ما قد يشكله ذلك من تهديد مباشر للصحة العامة، خصوصاً مع اعتماد عدد من الفلاحين بالمنطقة على هذه المياه في السقي اليومي.
وفي السياق ذاته، حذر مهتمون بالشأن البيئي من المخاطر الكبيرة التي تهدد الفرشة المائية بالمنطقة، بالنظر إلى قرب المياه الجوفية من سطح الأرض، حيث لا يتجاوز عمقها، بحسب إفادات محلية، ما بين 15 و20 متراً، وهو ما يرفع من احتمالات تسرب الملوثات إلى المياه الجوفية وتفاقم المخاطر الصحية والبيئية على الإنسان والحيوان.
كما عاينت “تيزبريس” لجوء بعض الفلاحين إلى استعمال مضخات لنقل المياه العادمة نحو الضيعات الزراعية، في مشهد وصفه متابعون بـ”القنبلة البيئية الصامتة” التي تنذر بكارثة حقيقية تهدد المجال البيئي والصحي بالإقليم، خاصة مع استمرار تدفق المياه الملوثة عبر مجارٍ تمر وسط المنازل والحقول دون مراقبة أو معالجة.
وفي مفارقة لافتة تعكس حجم “الاستهتار” الرسمي بالوضع، رصدت كاميرا “تيزبريس” لوحة لمشروع قيد الإنجاز على بعد أمتار قليلة من مجاري المياه العادمة، ويتعلق الأمر، حسب بيانات اللوحة، بمشروع “بناء وحدة لتثمين النباتات العطرية والطبية” بدوار أتبان بجماعة أكلو، وهو المشروع الذي تشرف عليه المديرية الإقليمية للفلاحة بتيزنيت.
وقد أثار هذا المشروع موجة من السخط والاستغراب وسط الساكنة، حيث اعتبر عدد من المواطنين أن إقامة مشروع لتثمين منتجات فلاحية في محيط تغمره المياه العادمة يطرح تساؤلات جدية حول شروط السلامة الصحية والمراقبة البيئية. وفي هذا السياق، عبر أحد السكان عن غضبه قائلاً إن “تثمين النباتات وسط حقول ملوثة بالمياه العادمة قد يحول المشروع من فرصة تنموية إلى خطر حقيقي على صحة المستهلكين”، متسائلاً عن دور الجهات المختصة واللجان المعنية في مراقبة الوضع البيئي القائم بالمنطقة.
ويرى متابعون أن إطلاق مشاريع فلاحية وصحية في منطقة تعاني اختلالات خطيرة على مستوى التطهير السائل، دون معالجة جذرية لمشكل المياه العادمة، قد يفاقم من حجم المخاطر الصحية والبيئية، خاصة في ظل استمرار استعمال هذه المياه في سقي بعض المزروعات، وما قد يترتب عن ذلك من تداعيات على السلامة الغذائية وصحة المواطنين.
وأمام هذا الوضع، تتصاعد مطالب الساكنة بضرورة تدخل عاجل من السلطات المحلية والمصالح المختصة لوقف هذا النزيف البيئي، وفتح تحقيق ميداني لتحديد المسؤوليات واتخاذ الإجراءات الكفيلة بحماية صحة المواطنين والحد من المخاطر التي باتت تهدد الإنسان والحيوان والبيئة بالمنطقة، إن استمرار الوضع على ما هو عليه قد يؤدي إلى تداعيات خطيرة يصعب احتواؤها مستقبلاً.



تعليقات