السبت 27 يونيو 2026| آخر تحديث 7:30 04/23



تيزنيت : المدينة..الجريمة والعقاب.

تيزنيت : المدينة..الجريمة والعقاب.

ذ.سعيد رحم.

“يستطيع المرء في الفقر أن يظل محافظا على نبل عواطفه الفطرية، أما في البؤس فلا يستطيع ذلك أبدا”.— دوستويفسكي، الجريمة والعقاب_ .

لم تتردد المناولات الإعلامية المحلية مؤخرا في وصف ما أعلنته المصالح الأمنية بتيزنيت عن إلقاء القبض على عصابة في حي بوتيني بـ”التدخل الأمني النوعي”، وهو توصيف يحتاج إلى قليل من “تشفيطه” من دهون الإثارة..وإن كنا لا نبخس الناس أشياءهم، فإن المواكبات الإعلامية للتدخلات والحملات الأمنية في المدينة، والسياسات العمومية الأمنية عموما يستدعي زاوية معالجة مختلفة، لأن مهمة الإعلامي والإعلام المستقل ليست هي الدعاية، بل التحدث عن القطار الذي وصل متأخرا، وليس القطار الذي وصل في وقته المحدد.

حي بوتيني ليس مجرد تجمع سكني ملحق بالمدينة، بل هو مرآة لعجز وفشل التخطيط الحضري.. فالحي، الذي يصنف ضمن الأحياء ناقصة التجهيز، يفتقر إلى أبسط مقومات العيش الكريم من إنارة عمومية كافية، صرف صحي، فضاءات ترفيهية، مراكز سوسيوثقافية، نقل حضري، وطرق معبدة.. في مثل هذه البيئة، يصبح البؤس موجها سيئا للسلوك الاجتماعي، أو بالأحرى أستاذا جيدا للتنشئة الاجتماعية في مدرسة العنف الحضري، وتكون الجريمة بمثابة شهادة تخرج من هذه المدرسة.
الترويج الإعلامي المكثف للتدخلات الأمنية كـ”إنجاز أمني ” يحجب قسما مهما من الصورة والأسئلة.. لماذا لم تكن هناك إجراءات استباقية حقيقية في أحياء ليست عالية الكثافة السكانية ولا شاسعة المساحة؟ نحن لا نتحدث عن تيزنيت مثل حديثنا عن كاريان طوما وسيدي مومن في الدار البيضاء، حتى يكون هناك تحرك لهؤلاء الجانحين بعيدا عن الأعين التي لا تنام طيلة هذه المدة؟ أي حكامة أمنية في تدبير مثل هذه الأحياء الملحقة وباقي أحياء المدينة، وأي تواجد لمراكز أمنية قارة بها؟ ماهي الامكانيات المادية والبشرية المتوفرة للسلطات الأمنية بالمدينة؟ ولماذا ظل البؤس يتراكم دون تدخل حقيقي من المؤسسات الرسمية الاجتماعية والتنموية ؟ الجواب ببساطة، لأن البؤس في المدينة ليس موضوعا للتفكير، وليس أولوية في برامج التنمية، ولايتم الحديث عنه، إلا عندما تتحول الأحياء الهامشية إلى عناوين لجرائم تزعج المدينة “الهادئة”، أو خزانا للأصوات الانتخابية وإنتاج فائض الوعود الكاذبة في الحملات الانتخابية.
لم تكن النوازل الأمنية مؤخرا، الحلقة الوحيدة في مسلسل البؤس وعنف الواقع بالمدينة، بل سبقتها محاولات عنيفة كادت أن تقلب المدينة رأسا على عقب. ففي “ثلاثاء جيلZ تيزنيت”، خرج العشرات من القاصرين الذين لفظتهم تلك الليلة أحياء الفقر والبؤس ، ليحولوا لحظة احتجاجات سلمية إلى أعمال عنف وشغب.. لقد كان ذلك اليوم بمثابة إنذار مدو كشف أن البركان الاجتماعي الذي طال إهماله أوشك على الانفجار، يوم كاد فيه قاصرون أن يبسطوا سيطرتهم على تيزنيت.. وللأسف، لم تُقرأ أحداث هذه الليلة في تيزنيت بعد قراءة اجتماعية وحقوقية وسوسيولوجية ، لاستيعاب ما جرى وتجنب تكراره، واكتفى الجميع بسردية العقل الأمني وروايته..لأن تلك الليلة كانت لحظة مفصلية في السلوك الاحتجاجي بالمدينة!
فما يحدث في تيزنيت ليس مجرد قصص عصابات تم تفكيكها وحملات أمنية، بل هو سؤال مباشر لمخططي المدينة ومدبري الشأن العام…الجريمة هنا ليست ظاهرة بقدر ما هي نتيجة حتمية لفشل تنموي وتدبيري.. التخطيط الحضري الذي يهمش الأحياء الملحقة ودروب المدينة القديمة وأطراف المدينة ويقصي سكانها من الخدمات الأساسية والحق في المدينة، هو نفسه الذي يخلق بيئات خصبة لانتشار اليأس والانحراف.. الجريمة هنا قبل كل شيء تساءل التخطيط الحضري وتهيئة المدينة وكل السياسات العمومية المحلية..ويمكن العودة إلى الدراسات الأكاديمية التي تكشف عن العلاقة بين التخطيط الحضري والعنف، وبين التخطيط العمراني والجريمة.
تيزنيت، تلك المدينة التي طالما اشتهرت بطابعها المحافظ والسلمي، تعيش تحولات عميقة من بطالة، غلاء المعيشة، تآكل التضامن الاجتماعي التقليدي، وضيق فرص العيش، غياب استثمارات تخلق الثروة، ومستجدات ديموغرافية جديدة حملها الإحصاء الأخير، فقدان مستمر للجاذبية.. كلها عوامل تعيد تشكيل علاقة السكان بالمحيط والمجال..في هذا السياق، لم يعد هناك هامش كبير بما يكفي لاستيعاب المزيد من الإحباط. والبؤس يعيد تعريف الأخلاق، ليس لأن سكان تيزنيت فقدوا نبلهم، بل لأن الظروف أصبحت أقسى من أن يحتملها إنسان.. الجريمة هنا تطرح جديا تساؤلات حول تحولات المدينة وإطار العيش بها، فالمدينة التي تضيق بتجارها وموظفيها وطبقتها الوسطى، ويُرغَمون على هجرتها، لن تتسع للمهمشين ولا لأحلام الفقراء..

الموضوعية تقتضي القول، بعيدا عن التهويل، أن تيزنيت ليست مدينة ترتفع بها نسبة الجريمة اطرادا أو مدينة الجريمة..الأحداث تبقى متفرقة ومعزولة، لكنها في المقابل تعكس توترا أعمق وشيئا ما يمور في أحشاء وهوامش المدينة..تيزنيت مدينة تختنق فيها فرص العيش، ويتسع فيها البؤس اتساعا، ولولا طبيعة سكانها المسالمين وصبرهم الأسطوري وليس الاستراتيجي، لكانت المدينة قد انفجرت باكرا..
عندما تقع جريمة في المدينة، يكون وراءها شباب في مقتبل العمر وقاصرين، فإن العقاب قانونيا يستهدفهم كفاعلين، لكن السؤال الأخلاقي يبقى قائما، أين تقع مسؤولية الدولة ومؤسساتها؟
تظل تيزنيت، بكل ما تحمله من تناقضات، مدينة تحتاج إلى إعادة تفكير جذرية في سياساتها الحضرية والاجتماعية، وفي حاجة إلى نخب سياسية في مجالسها المنتخبة بحس “إجتماعي ديمقراطي”.. لأنه قبل أن تكون الجريمة، هناك الفقر.. وقبل أن يكون الفقر، هناك الإقصاء.. وقبل كل ذلك، هناك غياب إرادة سياسية لتحويل مظاهر البؤس إلى فضاءات للعيش الكريم والعيش المشترك، وتجويد إطار العيش في المدينة وتعزيز جاذبيتها وفرص الاندماج الاجتماعي بها. وقبل الحديث عن “المدن الذكية” في الندوات واللقاءات الرسمية، ينبغي الحديث أولا عن “مدن الإنصاف” التي تحقق العدالة المجالية وتتصدى للفوارق المجالية وتضمن المساواة في الولوج الى الخدمات العمومية.. وإلا، ستظل رواية “الجريمة والعقاب” تعاد كتابتها كل يوم، في تيزنيت وهوامشها.







تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.