الخميس 4 يونيو 2026| آخر تحديث 7:10 10/19



قبل أن أغادر… إلى من يدبّرون الشأن العام: هل تنامون حقًا؟

قبل أن أغادر… إلى من يدبّرون الشأن العام: هل تنامون حقًا؟

بقلم: عبد الله بن عيسى – إعلامي وكاتب رأي

لا أكتب اليوم بصفتي صحفيًا، ولا كفاعلٍ سياسيٍّ أو ناقدٍ اجتماعيٍّ، بل كإنسانٍ أنهكته الأسئلة التي لا تجد جوابًا، وكقلمٍ قرّر أن يضع النقطة الأخيرة بعد أربع سنواتٍ من الصدق، والجدال، والخذلان.

أربع سنواتٍ وأنا أكتب من أجل الحقيقة والمواطن، لا طمعًا في منصب ولا بحثًا عن تصفيقٍ عابر.
أربع سنواتٍ من الكتابة النزيهة، التي لم تُرضِ الجميع، لكنها كانت دائمًا وفيةً للناس وللضمير.
خلالها خسرنا صداقات، وابتعد عنا من كنا نظنهم رفاق الدرب، فقط لأننا لم نقبل أن نكون شهود زورٍ في زمنٍ صارت فيه الكلمة تُباع بالمصلحة، والمبدأ يُقايض بالمنصب.

اليوم، وأنا أختار الانسحاب من هذا المسار، أريد أن أطرح سؤالًا واحدًا على كل من يدبّر الشأن العام، محليًا كان أو وطنيًا:

هل تنامون براحة؟
هل تستطيعون تناول وجباتكم اليومية دون أن تفكروا في آلاف الأسر التي لا تجد قوت يومها؟
هل تضحكون وتخرجون وتمرحون بينما هناك من لا يملك حتى حق الدواء؟
هل هذا طبيعي بالنسبة لكم؟

نحن لم نعد نفهم كيف يمكن للضمير أن ينام في ظل هذا الكمّ من الظلم، واللامبالاة، والعجز.
دخلتم تفاصيل حياة الناس بقوانينكم وخطاباتكم وقراراتكم، ومنذ تلك اللحظة تغيّر كل شيء.
ارتفعت الأسعار، انهارت الخدمات، ضاق الأفق، وأُنهِك المواطن البسيط وهو يحاول فقط أن يعيش بكرامة.

تعبت من التفكير، والله، ماذا فعلنا لكم؟
ما الجريمة التي ارتكبها هذا الشعب الطيب حتى يُعاقَب يوميًا؟
هل لأننا آمنّا بكم؟ لأننا صدّقنا وعودكم؟ لأننا حلمنا معكم بوطنٍ أفضل؟

وجدتم لأنفسكم كل المبررات، تعيشون كما لو أن شيئًا لم يحدث.
وجوهكم ما زالت مبتسمة في نشرات الأخبار، وخطاباتكم ما زالت تبرّر الفشل بنفس اللغة القديمة.
لكنّ الشارع تغيّر… الناس لم تعد تصدّق، ولم تعد تحتمل هذا الكمّ من الاستخفاف بعقولها وآلامها.

أنا لا أريد ردًّا من أحد، لأنني أعرف مسبقًا ما سيكون:
تبريرات جاهزة، دفاع مستميت، وعبارات منمّقة عن “الظروف” و”التحديات”.
لكن اسمحوا لي أن أقولها بصدقٍ أخير: لقد فشلتم في أبسط امتحانٍ إنساني — أن تشعروا بالناس.

أنتم تتحدثون عن التنمية كما لو كانت مشهدًا سينمائيًا، وعن الإصلاح كما لو كان شعارًا انتخابيًا،
لكن الحقيقة أنكم حوّلتم السياسة إلى إدارةٍ للألم بدل أن تكون وسيلةً للأمل.

أربع سنواتٍ من الكتابة، من التحليل، من النقد، من المحاولات الصادقة للإصلاح بالكلمة،
لكنّي اليوم أصل إلى قناعة واحدة مؤلمة:
أن الفهم أرقى من الجدال، وأن الهدوء أبلغ من الصراخ.

نعم، شعرت بالإحباط.
لكنّني لن أستسلم له.
سأخرج من هذه الدوامة الضيقة بسلام، وسأبدأ عالمًا جديدًا يختار فيه الأذكياء الصمت والتجاهل بدل الغرق في الطين نفسه.

كنت أظن أن الكتابة ستحرّك الضمائر، لكنها لم تفعل سوى أن أنهكتنا أكثر.
لهذا أعلنها بصدقٍ وألم:
سأتوقف عن الكتابة في ما لم أعد مؤمنًا به، وسأترك الميدان لمن لا يزال يجد فيه معنى.

ربما أخسر حضورًا، وربما أنسحب من دائرة الضوء،
لكنني على الأقل سأحتفظ بنفسي كما هي: حرة، صادقة، لا تزيّف ولا تبرّر.

فلتستمروا في طريقكم،
ولن أعاتب أحدًا بعد اليوم.
يكفيني أن أقول: لقد غادرت هذا العالم بقلبٍ مكسور، لكن بضميرٍ مرتاح.

رحم الله من سبقونا من رجال الفكر والمبدأ:
عمر بنجلون، عبد الرحمن بوعبيد، عبد الرحمن اليوسفي…
رجالٌ كانت السياسة عندهم التزامًا أخلاقيًا لا وسيلةً للمصالح.
كم نفتقد جيلهم في زمنٍ صار فيه كل شيء قابلًا للبيع.

استودعكم الله…
وسأغادر بهدوء، كما يغادر المناضل الميدان بعد معركةٍ لم يخسرها،
بل قرّر فقط ألاّ يُكملها حين اكتشف أن الخصم الحقيقي لم يكن في الخارج… بل في الداخل.







تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.