ذ.سعيد رحم.
في خضم مشهد سياسي محلي بئيس، وحيث يفترض أن تتصارع البرامج وتتنافس الرؤى ، نجد أنفسنا أمام حرب من نوع آخر. ليست حرب أفكار، بل حرب طرق وحافلات ودعاية وبروباغندا، تخاض بضراوة بين الأحرار و الاستقلال.
هذه الحرب التي تبدو للوهلة الأولى وكأنها صراع سياسي تقليدي، تكشف عن ظاهرة أعمق وأكثر خطورة، فعندما يغيب النقاش السياسي الرصين والجاد، يحل محله التنافس على “الخطاب السهل”. وهذا الخطاب السهل لا يعني التبسيط والتقريب، بل يعني الكذب المتعمد، والدعاية السخيفة، وتضخيم الهفوات، والتجريح الشخصي، وصولا إلى مسرح الجريمة السياسية الحقيقية استغلال مؤسسات الدولة في المعارك الحزبية الضيقة.
المفارقة اللافتة في هذا الصراع أن ما يعيبه “الأحرار” اليوم على حزب الاستقلال، ويتهمه بأنه سقوط أخلاقي ونقيصة في الخطاب السياسي، هو عين ما شكل البذرة الأولى لمدرسة الأحرار السياسية قبل أكثر من عقد من الزمن في تيزنيت.. ولا يمكننا هنا إلا أن نستعيد الذاكرة ونتوقف عند مدينة شهدت ميلاد أسوأ نموذج قدمه”الأحرار” في الدعاية والتوظيف الحزبي وانتهاك قواعد اللعب السياسي النظيف.
أسس “الأحرار” مدرستهم السياسية على نفس الكراريس الثقيلة التي يعيبها اليوم على الاستقلال، كراريس تعتمد على تحويل كل شيء إلى غنيمة حزبية، ونفس الآلية التي تجعل من كل إنجاز حكومي إنجازا حزبيا..
ما نراه اليوم هو مجرد إعادة إنتاج للمنهج ذاته. فحزب الاستقلال، في إطار صراعه مع “الأحرار”، يستخدم اليوم ذات الآليات التي أتقنها “الأحرار” سابقا ولكن مع فارق بسيط هو غياب الاحترافية لدي الاستقلاليين ودهاء سياسي في تصريف الدعاية.. لكن الأكثر إثارة للانتباه هو أن “الأحرار”، وكأنهم يعانون من فقدان الذاكرة السياسية الحاد، يتهمون خصومهم اليوم بنفس التهم التي كان هم المتهمون بها بالأمس واليوم.
ولنتأمل هذا المثال الواضح، عندما ينتقد “الأحرار” اليوم استغلال حزب الاستقلال لمديرية التجهيز، ويصف ذلك بانهيار الأخلاقيات وتسييس المؤسسات، فإنه يتناسى عمدا– أو يتغافل – عن الاستغلال غير الأخلاقي الممنهج الذي مارسه ويمارسه هو نفسه، من منا ينسى كيف حوّل “الأحرار” مثلا وزارة الفلاحة إلى وكالة خدمات انتخابية؟
لكن القصة أعمق من مجرد وزارة أو اثنتين.. “الأحرار” على مدى عقد كامل (إن لم نقل أكثر) حولوا كل شيء إلى ملحقات حزبية. لم يقتصر الأمر على الوزارات الكبرى، بل تعداه إلى شبكة كاملة من المصالح تخترق الإدارات بدون حسيب ولا رقيب، والتعاونيات التي تحولت إلى آليات لصرف الأموال واستقطاب الناخبين تحت غطاء التنمية الاجتماعية والاقتصاد الاجتماعي.. والجمعيات التي باتت مجرد واجهات لتمرير الأجندات الحزبية، وتقديم خدمات موازية للمواطنين، مقابل ولائهم السياسي… والوكالات والمراكز الجهوية التنموية والثقافية التي تم اختراقها لتوظيف قراراتها في خدمة الحزب، سواء عبر التعيينات أو عبر توجيه الدعم العمومي بطرق تفتقد الى أدنى شروط الشفافية والنزاهة..
هذه الشبكة المحكمة التي تم بناؤها بصبر وهدوء على مدار سنوات، حولت الإدارة من مؤسسة محايدة تخدم المواطنين جميعا دون تمييز، إلى سلاح حزبي بامتياز…وحولت الدعم العمومي والمال العام إلى أداة لشراء الولاءات وتدجين النخب ..واليوم، حين يجد “الأحرار” أنفسهم في مواجهة خصم يستعير نفس أساليبهم ، يرفعون صوتهم عاليا محذرين مما يسمونه”استغلال الإدارة”.
إن قول “آخر من يقدم الدروس في أخلاقيات الخطاب السياسي والتواصل هم الأحرار” ليس مجرد عبارة إنشائية، بل حقيقة سياسية.. كيف لحزب أنهك المشهد السياسي بعشرات الفضائح التواصلية والتسييرية، وحول التنافس السياسي إلى حرب عصابات دعائية، أن يأتي اليوم ليعطي دروسا في “الخطاب النظيف” و”احترام مؤسسات الدولة”؟
لقد أتقن “الأحرار” على مدى العقد الماضي فنونا عدة في النجاعة الانتخابية، لكنها فنون بعيدة كل البعد عن الأخلاقيات السياسية التي يتحدثون عنها اليوم.. الأحرار اتقنوا فن توظيف المال العام في الدعاية الانتخابية ..وبرعوا في فن استمالة الإعلام المحلي والجهوي.. وأدمنوا هواية خلق الخصوم الوهميين وإلباسهم تهم “عرقلة التنمية”..كلها ضمن صناعة ثقيلة في تضخيم الإنجازات الوهمية..
في خضم هذه الحروب التي تستعر بين “الأحرار” و”الاستقلال”، يبقى المواطن هو الخاسر الأكبر.. فهو يرى إدارته العمومية تتحول إلى ساحة معركة حزبية، ويرى أموال ضرائبه تصرف في دعايات مضللة وحملات تشويه، ويرى المشهد السياسي يبتعد أكثر فأكثر عن قضاياه الحقيقية، التشغيل، والصحة، والتعليم، والعدالة الاجتماعية.
في النهاية، ما نحن بصدده ليس مجرد “حرب طرق” عابرة بين حزبين و صراع شبكات مصالح محلية، بل هو أزمة بنيوية في الممارسة السياسية. أزمة جعلت من الكذب والدعاية والبروباغندا أدوات أساسية، ومن النقاش الجاد والشفافية والمساءلة قيما ثانوية أو مفقودة.
وإلى أن يدرك الجميع أن استمرار هذه اللعبة يدمر الثقة في السياسة والسياسيين والانتخابات، وأن لا فائز حقيقي في هذه الحروب سوى من يواصلون تقديس الصراع ومصالحهم الشخصية على حساب مصالح المواطن، فإن المشهد سيبقى على ما هو عليه، صراع على الكراسي والمناصب، لا صراع على الأفكار والمشاريع.
والخلاصة..لو كان “الأحرار” يريدون حقا تقديم دروس في الأخلاقيات، فليبدأوا أولا بتنظيف بيتهم من شبكة المصالح التي نسجوها طيلة عقد من الزمن، وليتركوا لغيرهم فرصة الحديث عن “استغلال الإدارة” بكثير من المصداقية.



تعليقات