..لقد كان ضروريا، توظيف العَدَدين السابقين، من “لحظة تأمل”، كأرضية لعدد اليوم، والمتمثل في إقدام المحكمة الابتدائية بتزنيت، مؤخرا على محاكمة مديري مواقع إلكترونية، وبصفة استعجالية، وفي زمن كورونا وما يفرضه من حجر صحي، على المواطنين، وكذا على المرافق العمومية، بما فيها الجهاز القضائي ..
بهكذا تصرف، تكون ابتدائية تزنيت ـ وخلافا لباقي محاكم المملكة، على الأقل في الوقت الراهن ـ قد قررت التغريد خارج السرب.. غير عابئة، لا بالتدابير الاحترازية، ولا بالإجراءات الوقائية، المتخذة على شكل بلاغ مشترك، بين كل من وزارة العدل، والمجلس الأعلى للسلطة القضائية، ورئاسة النيابة العامة، والمتمثل في إرجاء جميع المحاكمات الجنحية، التي لا تكتسي طابع “الاستعجالية”، والتي لا يوجد أحد أطرافها خلف قضبان السجون .. بل ومحاكمة هؤلاء المتواجدين رهن الاعتقال لاحقا، بتقنية التقاضي عن بعد …
علما أن قرار التقاضي عن بعد، قد تعرض لانتقادات شديدة، من طرف ذوي الاختصاص .. بل قد ذهب رجالات القانون، إلى حدود القول بأن هذا القرار، هو قرار غير قانوني، بل ومخالف لقواعد المسطرة الجنائية، المنظمة للمحاكمات في المادة الجنحية والجنائية؛ وبالتالي فإن الخروج عليها، لا يمكن أن يتم إلا بتعديل القانون، وليس بمجرد بالإعلان عن ذلك، في منشور أو في تصريح داخل البرلمان ..
وبالتالي فهذا القرار، هو قرار غير دستوري، لأنه يخالف القواعد التي نص عليها الدستور، في مختلف الفصول التي تضمن وتنص على احترام قرينة البراءة، والحرية، وعلى المحاكمة العادلة؛ كما أنه يعارض مقتضيات المادة 14 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية التي حددت قواعد المحاكمة العادلة .
لكن ماذا عن تحريك مساطر المتابعة، من قبل النيابة العامة، في حق المواقع الإلكترونية، المتوفرة على “إشهاد النيابة العامة”، قبل دخول قانون الصحافة والنشر رقم 88.13، حيز التطبيق؟
وكيف للنيابة العامة، أن تشكك في إشهادات مسَلَّمة من قبلها ؟ .. وهنا أود أن أفتح قوسين، للإشارة أنني شخصيا، قد اطلعت على عشرات من الإشهادات، المسلمة من النيابة العامة ـ لدى العديد من محاكم المملكة ـ إلى مديري المواقع الإلكترونية المعنية، وقد أصبتُ بالذهول، لكون هذه الإشهادات غير موحدة لا شكلا ولا مضمونا .
وفي هذه الحالة، أ لا تتفقون معي، بأنه قد كان من الأجدر، “بمؤسسة قضائية” قائمة بذاتها، تَحْفل بمائات القامات الفكرية، والقضائية، والحقوقية، أن تعمل ـ على الأقل ـ على “توحيد الإشهاد”، أو ـ على الأقل ـ اعتماد مطبوع نموذجي لهذه الغاية ؟
ولماذا تحريكُ المساطر القضائية، في فترة الجائحة بالذات، ضد مواقع إلكترونية حاصلة على “إشهاد النيابة العامة” ؟
أَ ولا يمكن اعتبار هذه “الحالة الغريبة”، بأنها مقاضاة النيابة العامة لنفسها، من خلال طعنها في إشهادات صادرة عنها ؟ .. والأغرب من ذلك، أن تُسَجَّل قضايا استعجالية في الموضوع، في غياب تام لشرط “الاستعجالية” .
وما رأي قضاة المحكمة الدستورية، في دستورية قانون الصحافة والنشر رقم 88.13، وخاصة من زاوية تطبيقه بأثر رجعي ؟
وبالتالي ما مصير إشهاد قانوني، كان قد سلم وفق شروط معينة، مع تقديم ملف إداري معين في الموضوع ؟
وإذا كان الأمر كذلك، فمن سيضمن “للملائمين اليوم”، عدم انقلاب القانون عليهم غدا، وتنكره “لملاءمة اليوم”، كما تنكرتْ “ملاءمة اليوم” “لأشهاد الأمس” ؟
أ ولا، تؤدي مثل هكذا “مساطر إدارية”، إلى فقدان الثقة في المؤسسات بصفة عامة، والنيابة العامة على وجه الخصوص ؟
وفيما يتعلق برسالة المنتدى الوطني لحقوق الإنسان، المنشورة البارحة على عمود “لجنة تأمل”، العدد 15/2020، أ ليس من الحق، أن نتساءل عن حظ هذه الرسالة، من القانون رقم 31.13، المتعلق بالحق في الحصول على المعلومات، والقانون رقم 55.19، المتعلق بتبسيط المساطر والإجراءات الإدارية ؟
في ظل هذه الأجواء المشحونة، بسبب تحرك وكلاء الملك بمحاكم المملكة، وتحريكهم لدعاوى استعجالية، ضد المواقع الإلكترونية، أ لم يتم استحضار “السادة الوكلاء ونوابهم”، لحساسية فترة جائحة كورونا من جهة، وللأدوار التحسيسية، والتوعوية، وللمواكبة الدائمة، التي تقوم بها هذه المواقع، في نشر الوعي والتحسيس بالخطورة المحدقة بالمجتمع ككل، جراء فيروس وباء كورونا ؟
وَهَلَّا وضعنا أنفسنا ـ بما في ذلك مؤسسة النيابة العامة/محركة الدعوى القضائية ـ محل مدراء المواقع الإلكترونية المُتَابعة، كي نحس ـ ولو للحظات ـ بوقع ذلك “الإرهاب النفسي” الذي يعانون منه، والذي انضاف إلى الضغط النفسي لليومي للجائحة ؟
..وأين هو موقف الجسم الصحفي المغربي، بما في ذلك المجلس الوطني للصحافة، من هذه القضية الوطنية، التي تهم المواقع الإلكترونية الحاصلة على “إشهاد النيابة العامة” ؟
أَ وَلَسْنَا ـ بهذا الصمت غير المفهوم لدى البعض .. والمفهوم لدى “البعض الآخر صاحب القضية” .. أَ وَلَسْنا أمام قصة التيران الثلاثة، والمختزلة في مقولة : “أُكِلتُ يوم أُكِل الثور الأبيض” ؟
وأخيرا، وليس آخرا، أ لم تشعر “النيابة العامة”، بموجة “الحس الوطني” الجارفة، والتي جعلت كل المغاربة ملتفين حول ملكهم.. ملك تصدر الأحكام باسمه ؟
أقف هنا .. وأتوقف هنا، عند هذا الحد من الأسئلة، والتي لن تتوقف عن التناسل بكل استغراب .. تاركا لكم حرية التعليق !..
.. ولِحِكْمَتِكُمْ.. الموقرة، واسع النظر !!!
..يتبع لاحقا، بمشيئة الله.
من قلب الحجر الصحي، بتاريخ: الأحد 10ماي 2020
مع تحيات ذ.محمد أنين
ورمضانكم أبرك وأطيب وأيمن وأسعد.



تعليقات