السبت 6 يونيو 2026| آخر تحديث 2:12 03/26



فضلُ حركة 20 فبراير على العدالة والتنمية

يدور سجال ساخن بين قياديي حزب العدالة والتنمية. السجال فجره الموقف الذي يتعين اتخاذه من حركة 20 فبراير. فمن جهة هناك من القيادة من ساند، الحركة المذكورة، وساهم في المسيرات والتظاهرات التي نظمتها، ومن جهة أخرى هناك عناصر في القيادة احترست من الحركة، وتحفظت منها، وفضلت عدم التعاطي معها، ما دام الحزب قد اختار لنفسه الاشتغال في داخل المؤسسات القائمة، وفقا للضوابط التي تحددها الممارسة السياسية في المغرب، كما هي متعارف عليها بين الأحزاب والقصر…

ولقد سبق هذا السجال في الإعلام طلب قياديين في العدالة والتنمية تفعيل نص للقانون الداخلي للحزب يدعو إلى إقالة السيد عبدالإله بنكيران من الأمانة العامة، على خلفية تصريحه الذي أعلن فيه عدم مشاركة العدالة والتنمية في تظاهرات 20 فبراير، حتى قبل انعقاد جلسة للأمانة العامة للنظر في المشاركة من عدمها في التظاهرات إياها.
يجوز القول إن الفضل في إثارة هذا السجال بشكل علني يعود إلى نجاح حركة 20 فبراير الشبابية التي تمكنت من تحقيق جزء من أهدافها النبيلة، و نجحت في إحراز مكاسب أولية. تجاوب الملك مع الحركة وإلقاؤه لخطاب 9 مارس مع الإصلاحات الدستورية التي وعد بها، فجر السجال في صفوف العدالة والتنمية، ودفع الذين ناصروا الحركة منذ بداية أنشطتها، إلى رفع أصواتهم في وجه من رفضوها ونبذوها، وشنعوا عليها.
فمن خلال النتيجة التي حصلت عليها بالإقرار بإصلاحات دستورية، وهي المكونة من شباب غر ما زال عديم التجربة بالممارسة السياسية، ظهرت هذه الحركة متقدمة في قراءتها للمتغيرات التي تجري من حولها، أكبر بكثير، حتى من قادة الأحزاب السياسية، ومن ضمنهم قادة حزب العدالة والتنمية، وأساسا أولئك الذين شككوا في تحركها، واعترضوا على سعيها للتظاهر في الشارع، وجروا الحزب ككل، لاتخاذ موقف غير داعم لمسيراتها.
لقد دافعوا عن موقفهم الرافض لمساندتها أمام من كانوا مع دعمها داخل الحزب، بكونها حركة معزولة، وتفتقد إلى الحد الأدنى من الشعبية والجماهيرية، وستكون عاجزة عن إدراك أي من الأهداف والشعارات التي ترفعها، ولذلك لا داعي للمغامرة بالخروج إلى الشارع للتظاهر بشكل مجاني معها. فالخروج والتظاهر سيؤدي إلى إحراج العدالة والتنمية، وإلى تأليب خصومه في جهاز الدولة عليه، في لحظة حساسة ينتظرها المتربصون به،  لضربه والتضييق عليه.
غير أن الأحداث بينت أن توقع هؤلاء القياديين من الحزب المذكور كان في غير محله، المسيرات نجحت، ومكنت الشعب من انتزاع إصلاحات دستورية مهمة، ونتج عن ذلك غضب في صفوف من كانوا يريدون مساندة الحركة والتظاهر إلى جانبها، لأن الانتقادات عن عدم مشاركة العدالة والتنمية في التظاهرات لم تطل فقط العناصر القيادية التي تبنت هذا الموقف داخل الحزب، الانتقادات، وحتى الغضب الشعبي طال الحزب برمته، فلقد اعتُبر، عن حق أو باطل، أنه بأسره، كان ضد حركة 20 فبراير وخذلها..
هذا السجال يعكس في حقيقة الأمر وجود شذ وجذب بين مدرستين داخل العدالة والتنمية، فمثله مثل الاتحاد الاشتراكي في الثمانينات والتسعينات، فمن جهة هناك مدرسة تمارس السياسة في المغرب بالاتجاه مباشرة صوب الملك، والسعي لاسترضائه، وإقناعه بالحصول منه على بعض المكتسبات، مع تجنب ما يمكن أن لا يعجبه أو يغضبه، ومن جهة ثانية هناك مدرسة تدعو إلى تفعيل التحرك وسط الشعب والمشاركة في جميع معاركه، من أجل توسيع الهامش الديمقراطي، وتعميقه وإنجاز الإصلاحات التي تُخرج المغرب من الوضع المأزوم الذي يعيشه.
إذا كان الاتحاد الاشتراكي قد انتصرت في أجهزته المدرسة الأولى، وانتهى بعد المشاركة في الحكومة إلى حالة الضعف والهوان التي هو عليها، فهل حركة 20 فبراير التي ضخت جرعة كبيرة من الجرأة في الساحة السياسية الوطنية، وفجرت الكثير من الأشياء المسكوت عنها، ودفعت بالمواضيع الخلافية التي كانت مكبوتة إلى البروز إلى السطح، للتعبير عن ذاتها بطرق مختلفة، هل ستتمكن هذه الحركة، داخل العدالة والتنمية، من ترجيح كفة المدرسة التي تحبذ عدم الانتظار، وتفضل التشابك والعراك الاجتماعين لتحقيق المكاسب لفائدة الشعب المغربي كما تتصورها؟
السجال داخل حزب العدالة والتنمية يدور على هذا المستوى. إنه سجال صحي يدل على الحيوية والحياة. فالحزب، يفترض فيه أنه مؤسسة وطنية، وما يروج في أروقته من نقاش وخلافات واجتهادات وتباينات في وجهات النظر مسألة تهم جميع المغاربة، ويعنيهم الاطلاع على كل الآراء السائدة في صفوف أعضائه وقياداته. زمن الحزب، المغلقة أبوابه ونوافذه، على غير الأعضاء فيه، قد ولى وكان. حركة 20 فبراير قامت في المرحلة الأولى بدفعة قوية في هذا الاتجاه، لقد أذكت الحراك الذي كان كامنا بين أطر وأعضاء العدالة والتنمية، وكشفته للعلن.

عبدالسلام بنعيسي
موقع هسبريس