الثلاثاء 7 يوليو 2026| آخر تحديث 10:20 07/05



عطلة موظفي التعليم بين استمرارية المرفق العمومي ومبدأ المساواة: هل يحتاج قرار بنموسى إلى مراجعة؟

عطلة موظفي التعليم بين استمرارية المرفق العمومي ومبدأ المساواة: هل يحتاج قرار بنموسى إلى مراجعة؟

مع اقتراب نهاية الموسم الدراسي، يعود إلى الواجهة نقاش قديم ومتجدد حول نظام العطلة الصيفية لموظفي وزارة التربية الوطنية، كما أقره القرار التنظيمي الصادر في عهد الوزير السابق شكيب بنموسى. وهو نقاش لا يتعلق بعدد أيام العطلة فحسب، بل يلامس مبادئ دستورية وقانونية أساسية، في مقدمتها المساواة، والأمن القانوني، والحق في الراحة، وكيفية تحقيق استمرارية المرفق العمومي دون الإخلال بحقوق الموظفين.

فخلال الموسم الحالي، ستوقع مختلف أطر هيئة التدريس محاضر الخروج يوم 11 يوليوز، لتدخل عملياً في عطلة صيفية تمتد لأكثر من شهر ونصف، وهي التي بدورها يتم تقزيمها شيئا فشيئا.

في المقابل، لن توقع هيئة الإدارة والتدبير بمختلف أطرها محاضر الخروج إلا يوم 31 يوليوز2026، أي بعد عشرين يوماً إضافية من العمل، ولن تستفيد إلا من شهر غشت كعطلة صيفية، مع إلزام بعض أطرها بضمان “الحد الأدنى” من المداومة داخل المؤسسات التعليمية.

ويهم هذا الالتزام على وجه الخصوص الحراس العامين، ومسيري المصالح المادية والمالية، والمساعدين التربويين، الذين يقتطع من عطلتهم جزء لفائدة المداومة، تحت مبرر الحفاظ على مبدأ استمرارية المرفق العمومي.

ولا خلاف في أن استمرارية المرفق العام تعد من المبادئ الأساسية في القانون الإداري، وأن الإدارة مطالبة بضمان استمرار الخدمات العمومية وعدم توقفها. غير أن السؤال الذي يفرض نفسه هو: هل يجوز أن تتحول استمرارية المرفق العمومي إلى عبء تتحمله فئة معينة من الموظفين دون غيرها؟

إن استمرارية المرفق العام ليست التزاماً يقع على عاتق الموظف وحده، بل هي مسؤولية الإدارة أولاً، التي ينبغي أن تبتكر من وسائل لتنظيم ما يحقق استمرار الخدمة العمومية مع احترام الحقوق القانونية والاجتماعية لموظفيها.

ومن هذا المنطلق، يثير القرار التنظيمي عدة إشكالات تستحق النقاش:

أولها: غياب تعريف دقيق لمفهوم “الحد الأدنى من المداومة”.

فالقرار ألزم بعض الموظفين بالمداومة، لكنه لم يحدد المقصود بالحد الأدنى، ولم يضع سقفاً زمنياً لها، ولم يرسم معايير موحدة لتوزيعها بين الموظفين.

وهذا الغموض يفتح الباب أمام تفاوتات كبيرة في التطبيق.

ففي بعض المؤسسات التعليمية، حيث يتوفر عدد كاف من موظفي هيئة الإدارة والتدبير، قد لا تتجاوز مدة المداومة التي يتحملها كل موظف خمسة أيام. وفي مؤسسات أخرى، قد تصل المدة إلى خمسة عشر يوماً بالنسبة للموظف نفسه، الذي ينتمي إلى الإطار نفسه، ويؤدي المهام نفسها، ولا يختلف عن زميله إلا في عدد الموظفين العاملين بمؤسسته.

وهنا يطرح سؤال قانوني مشروع:

هل يجوز أن يختلف مقدار التنازل عن العطلة السنوية بين موظفين في الوضعية القانونية نفسها، فقط بسبب اختلاف البنية التنظيمية للمؤسسات التي يشتغلون بها؟

إن هذا التفاوت لا ينتج عن اختلاف في الكفاءة أو المسؤولية أو طبيعة المهام، وإنما عن غياب معيار تنظيمي موحد، وهو ما يثير نقاشاً حقيقياً حول مدى انسجام القرار مع مبدأ المساواة والأمن القانوني، اللذين يقتضيان أن تكون القواعد التنظيمية واضحة وقابلة للتطبيق بشكل موحد على جميع المخاطبين بها.

أما الإشكال الثاني، فيتعلق بطبيعة العطلة السنوية نفسها.

فالعطلة ليست مجرد عدد من الأيام يمنح للموظف، وإنما هي حق اجتماعي يهدف إلى تمكينه من فترة راحة متصلة يستعيد خلالها توازنه الجسدي والنفسي والأسري.

غير أن إلزام الموظف بالمداومة خلال شهر غشت يؤدي عملياً إلى تقطيع عطلته، وإجباره على العودة إلى مقر العمل ثم استئناف ما تبقى منها، وهو ما يفرغ العطلة من أحد أهم مقوماتها، وهو الاستمرارية.

فإذا كانت الغاية من العطلة هي الراحة الحقيقية، فإن هذه الغاية تصبح محل تساؤل عندما تكون العطلة معرضة للانقطاع في أي لحظة بسبب المداومة.

أما الإشكال الثالث، فهو اتساع الفارق بين هيئات القطاع نفسها.

فهيئة التدريس تستفيد من عطلة تتجاوز شهراً ونصفاً، في حين لا تستفيد هيئة الإدارة والتدبير إلا من شهر واحد، يقتطع منه جزء لفائدة المداومة بالنسبة لبعض أطرها.

ولا يتعلق الأمر هنا بالدعوة إلى تقليص عطلة هيئة التدريس، ولا إلى المساس بحقوق أي هيئة، وإنما بالدعوة إلى مراجعة تنظيمية تحقق قدراً أكبر من العدالة والإنصاف بين مختلف مكونات المنظومة التربوية، لأن الجميع يساهم، كل من موقعه، في ضمان السير العادي للمرفق العمومي.

إن الإدارة الحديثة لا تقاس فقط بقدرتها على فرض الالتزامات، وإنما أيضاً بقدرتها على توزيعها بشكل عادل ومتوازن.

ولذلك، فإن مراجعة هذا القرار أصبحت اليوم ضرورة تنظيمية وحقوقية أكثر منها مطلباً فئوياً، وذلك من خلال تحديد مفهوم “الحد الأدنى من المداومة” بشكل دقيق، ووضع سقف زمني موحد لها، واعتماد معايير وطنية تضمن المساواة بين الموظفين، مع الحفاظ في الوقت نفسه على استمرارية المرفق العمومي.

فالاستمرارية قيمة دستورية، لكن المساواة أيضاً قيمة دستورية.

وحسن سير الإدارة هدف مشروع، لكن العدالة بين الموظفين ليست ترفاً تنظيمياً، بل هي أحد الشروط الأساسية لبناء إدارة حديثة، منصفة، ومحترمة لحقوق جميع مكوناتها.

لقد آن الأوان لفتح نقاش مؤسساتي هادئ ومسؤول حول هذا الموضوع، لأن المدرسة العمومية لا تقوم على هيئة دون أخرى، وإنما تنهض بتكامل جميع أطرها، ومن ثم فإن العدالة في الحقوق والواجبات ينبغي أن تكون القاعدة، لا الاستثناء.

◾️علي تياسير
مفتش الشؤون المالية، مسير للمصالح المادية والمالية.







تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.