ذ. عبد الله أكنكو ( بلمودن)
حين تُذكر مدينة تيزنيت اليوم، يتبادر إلى الذهن خطاب رسمي كثير الحديث عن الأوراش المفتوحة، والتدشينات المتتالية، والوعود بمستقبل حضري مختلف.
لكن الوقوف عند الخطاب وحده لا يكفي لفهم ما يعيشه السكان على الأرض. فالفرق واضح والبون شاسع جدا بين ما يُنجز فعلياً وما تنتظره المدينة وساكنتها وأصبح ظاهراً وباديا للعيان لمن يتتبع مسار التنمية المحلية بعين نقدية.
الموضوع سأتناوله من خلال المحاور التالية:
1. حصيلة مشاريع لا تلامس الأولويات اليومية:
ما تم إنجازه في السنوات الأخيرة بتيزنيت يندرج معظمه ضمن مشاريع ذات طابع تجميلي أو بنيات تحتية محدودة الأثر، تجديد بعض الساحات، الشروع في تهيأة مقطع طرقي وحيد وواحد يبتدأ من مدخل مدينة أگادير إلى مدارة مدخل أگلو مرورا بشارع الحسن الثاني.
هذه التدخلات وإن كانت تعطي انطباعاً بصرياً بالحركة، وبأن تيزنيت كل شيء فيها على ما يرام لكنها لا تجيب عن الأسئلة الملحّة التي تؤرق الساكنة: التشغيل، الولوج إلى خدمات صحية لائقة، تهيئة الأحياء الهامشية وفك العزلة عنها، مشاكل التعليم وما أكثرها ، ومعالجة مشاكل التطهير، وغيرها…
المشكل ليس في وجود أشغال، بل في النسبة المائوية للأشغال المنجزة والتي هي في طور الإنجاز مقارنة مع ما تبقى خارج دائرة الاهتمام .
مدينة تعاني من بطالة الشباب وهجرة الكفاءات، تيزنيت لا يمكن أن تقبل أن يكون معيار النجاح فيها هو عدد الأمتار المزفّتة والحال أنها لم تزفت بعد أو عدد الأضواء المركبة في شارع رئيسي، وكأن تيزنيت هي مدخل شارع أكادير وحده، فأين حق الأحياء الملحقة، دو ترگا، بوتيني، تمدغوست، وأين حق أحياء أفراگ، المسيرة، وغيرها، وأين هو حق أحياء الضفة الشرقية، الحي الصناعي، النخيل، حاما، العبور، اتفاق، أملن، العين الزرقاء وغيرها؟ أين هو حق المداخل الأخرى للمدينة: مدخل طريق گلميم، مدخل طريق تافراوت، مدخل طريق إفني، مدخل طريق أگلو عبر الطريق المؤدي إلى تدوارت؟ أين هو حق طريق أگلو في اتجاه غابة موانو التي ستحتضن كلية التدبير والاقتصاد والتنمية المستدامة وكلية العلوم القانونية؟ لماذا لم تتم تثنيته؟ أو على الأقل إصلاحه؟ لماذا لم يتم الشروع في إنجاز الأشغال الخارجية في هذا المحور الطرقي وربطه بشبكات الماء والكهرباء والاتصالات، والتطهير السائل في انتظار مشروع الكليتين إن لم يتم إلغاؤه كما ألغي فيما سبق؟
بالمناسبة أحيلكم على مدخل حي أزرو في اتجاه ملحقة ابن زهر الذي يرتقب أن يصبح جامعة، ومن المؤسف جدا أن نقارن مدينة تيزنيت العريقة بحي كان بالأمس القريب مجرد دوار تابع لجماعة أيت ملول، فيما كانت تيزنيت فيما مضى تقارن بمدن كبرى كالجديدة، والمحمدية، وأگادير و گلميم وغيرها.
المشكل كذلك يكمن في كون هيأة واحدة هي التي تروج لهذه المشاريع وتنسبها لنفسها ناكرة مجهودات الشركاء والفرقاء الآخرين.
فإذا كان من يروج لهذه المشاريع على قلتها يفكر فقط في نفسه ويروج لما أنجز من أجل الحفاظ على بعض المناصب الزائلة والمصالح الشخصية والمواقع والكراسي التي لابد أن تزول يوما طال الزمن أم قصر، فلابأس، أما إذا كان يفكر بمنطق المصلحة العامة فإن مدنية تيزنيت تأخرت كثيرا في الآونة الأخيرة ولازالت بعيدة كل البعد عما وصلت اليه بعض المدن الأخرى، ولا زالت كذلك بعيدة عن تطلعات سكانها الذين يؤدون واجباتهم الضريبية ولا يستفيدون من أبسط الحقوق التي يخولها لهم حق المواطنة.
2. غياب الرؤية الاستراتيجية ومؤشرات التحسن:
المتتبع لمسار التسيير الجماعي يلاحظ غياب وثيقة مرجعية واضحة تربط بين المشاريع المنجزة وأثرها المرتقب على جودة عيش الساكنة، فلا وجود لمؤشرات قابلة للقياس تُنشر دورياً، ولا وجود لتقييم موضوعي لما تم صرفه مقابل ما تم تحصيله من قيمة مضافة محلية.
في غياب هذه الآليات، يتحول الحديث عن “الأوراش الكبرى” إلى خطاب إعلامي ترويجي أكثر منه مشروعاً تنموياً متماسكاً.
والنتيجة أن المواطن لا يرى تغيراً ملموساً في دخله ولا في جودة حياته، ولا في فرص الاستثمار المتاحة بالمدينة. وحين تختفي المؤشرات، يختفي معها الأفق المتوسط والبعيد، ويبقى كل شيء رهين ما يُروّج له في اللحظة.
3. الاحتفاء بالأشغال وتغييب المحاسبة:
من الملاحظ أن آلة التواصل المحيطة برئاسة الجماعة تُعطي وزناً كبيراً لتغطية الأشغال الجارية، وتقديمها كدليل على دينامية غير مسبوقة. لكن هذا التركيز على الشكل يُفرّغ الفعل العمومي من مضمونه المحاسبي. فالمشروع لا يُقاس بشريط فيديو أو بصور التدشين، أو في الاتفاقيات الموقعة، بل بقدرته على حل مشكل قائم، وباستدامته المالية والتقنية، وبمشاركة الساكنة في تقييمه.
غياب النقاش العمومي الجاد حول هذه المشاريع، وتغييب المعارضة الفعلية داخل المجلس، وتبخيس بعض الأصوات التي تقدم وجهة نظرها في التقد البناء واتهامها بالعدمية ونشر خطاب اليأس يجعل من الصعب الحديث عن تدبير تشاركي أو عن مراجعة نقدية للاختيارات؛ والنتيجة هي استمرار نفس النمط: مشاريع تُقرّر فوقياً، وتُنفّذ ببطء، وتُقيّم إعلامياً ويروح لها بالخطاب وببعض الصور ولا أثر لها في الواقع المعيش للمواطن.
4. مآل الوضع في المدى القريب والمتوسط:
بناءً على وتيرة الإنجاز الحالية، وغياب مشاريع مهيكلة ذات أثر اقتصادي مباشر، ملعب رياضي في مستوى فريق أمل تيزنيت الذي ينافس على الصعود إلى قسم الكبار، تثنية الطريق المؤدي إلى شاطئ أكلو وتهيته، ربط غابة موانو بالأشغال الخارجية (الماء، الكهرباء، الاتصالات،الصرف الصحي، تشجير الجنبات)، الترافع على إحداث جامعة على غرار باقي المدن والحال أن تيزنيت هي المبادرة لتعبئة العقار)، تهيأة جميع مداخل المدينة وجميع أحياءها بدون استثنا، في ظل غياب هذه المشاريع يصعب التنبؤ بانعطافة إيجابية، فلا وجود لمؤشرات استثمارية جديدة تلوح في الأفق، ولا مبادرات لجلب رؤوس أموال خاصة، ولا برامج واضحة لتأهيل النسيج التجاري والحرفي الذي يعتبر العمود الفقري لاقتصاد المدينة.
إذا استمر الوضع على ما هو عليه، فإن المدينة ستظل أسيرة منطق “تدبير التسيير اليومي” بدل “تدبير التنمية”. وهذا يعني مزيداً من الاستياء، ومزيداً من فقدان الثقة بين الناخب والمنتخب، ويؤدي إلى العزوف عن المشاركة في الانتخابات وعن العملية السياسية برمتها.
خلاصة القول تيزنيت مدينة تملك مؤهلات تاريخية وثقافية وسياحية كبيرة، تحتاج إلى مشاريع مهيكلة وليس فقط إلى خطاب ترويجي بعيد كل البعد عن الواقع، ولا تحتاج إلى البهرجة وإلى أنشطة موسمية يتم الترويج لها بكون المدينة تعرف دينامية ثقافية.
تيزنيت تحتاج استثمار مؤهلاتها وتحتاج إلى القطع مع منطق المشاريع الجزئية التي يتم الترويج لها، لذا فإن مراجعة جذرية لسلم الأولويات باتت ضرورية، وربط كل درهم يُصرف بنتيجة قابلة للقياس، وإعادة الاعتبار للمحاسبة والشفافية. بدون ذلك، سيبقى الخطاب الرسمي يتقدم، بينما تبقى تطلعات السكان معلقة في طوابير الانتظار.



تعليقات