الأحد 26 مايو 2024| آخر تحديث 10:21 02/04



 الأستاذ “عبدالله بعنو” يكتب عن حراك 5 أكتوبر

 الأستاذ “عبدالله بعنو” يكتب عن حراك 5 أكتوبر

“دهشة” الاضراب:

في نهاية شتنبر وبداية أكتوبر، وعلى إثر إصدار قانون “النظام الأساسي للتعليم” في الجريدة الرسمية، والذي فاجأ الجميع بمواده المختلفة، كان لابد من رد فعل قوي عليه من طرف النقابات والأساتذة والاستاذات والمجتمع بصفة عامة من آباء وأمهات وتلاميذ. ما يهمنا هنا شريحة من الاستاذات والأساتذة الذين أثار انتباههم مسألة واحدة ووحيدة في البداية وهي ما اتفقوا على تسميته “زيرو درهم”، ويقصدون تلك التعويضات التي استفادت منها بعض الفئات في حين حرم منها أستاذ التعليم الابتدائي والإعدادي والثانوي؛ وأعتقد جازما أن الزيادة في التعويضات لو كانت موحدة بين الجميع، لما خرج الأساتذة للاحتجاج! وهذا خطأ تكتيكي ارتكبته الوزارة لأنها ظنت أن الهزائم الاجتماعية المتتالية التي ألحقتها بالشغيلة التعليمية ستكون كافية لتمرير المزيد من المخططات التي أجمع المحللون على أنها ضد المدرسة العمومية!

     من هنا، ودون وعي أو تفكير، كما هو حال الشخص المظلوم الغاضب، أطلقت دعوات اعتباطية، حتى لا نقول “فوضوية”، على وسائل التواصل الاجتماعي، فحشدت الهمم، وفكر رجال ونساء التعليم بالرد على النظام الأساسي قبل تأسيس أية تنسيقية؛ لهذا نتفق منذ البداية أننا بصدد حركة اجتماعية للشغيلة التعليمية يمكن أن نطلق عليها “حراك 5 أكتوبر”! أثناء هكذا حراك، يتم الاتفاق بين الذوات المكلومة وتتجمع تلقائيا بما أنها تعاني نفس الحيف وتتمثل نفس الهدف ونفس المصير؛ نحن إذن أمام ظاهرة اجتماعية غير منظمة، لكنها تفرض نفسها على المحللين في علم الاجتماع خاصة كي يجيبوا عن الأسئلة التي تثيرها! السبب والدافع معروف، لكن أمور أخرى لا زالت مجهولة من قبيل ذلك الاستعداد الجماعي والنفسي، وذلك الدخول في مغامرة لم يحسب لها جيدا وبدون سند واضح، إلا إذا اعتبرنا أن من خرج من الأساتذة والاستاذات يعلمون بطريقة لا واعية أن النقابات، رغم موقف بعضهم السلبي منها لن تتخلى عنهم!!!! 

     هذا الحراك تولد قبل التنسيقية كتنظيم، وحتى يجد لنفسه شكلا تنظيميا بدأت الدعوات إلى هيكلته من خلال تأسيس فروع محلية لتنسيقيات، ستتشكل من بعد، على المستوى الجهوي ثم الوطني، كبديل عن النقابات، كما ظن المغرضون! هذا يدخل حسب البعض في مجال “الموضة”، بحيث أن العصر لم يعد عصر “نقابات”، بل عصر “تنسيقيات”!!! والفرق شاسع بين الاثنين، ففي الوقت الذي تتبنى فيه النقابات مشروعا مجتمعيا، وتناضل على واجهات عدة؛ تبقى التنسيقيات رهينة ملف مطلبي مسكون بالأنانية وباستعداء الفئات الأخرى، والاستعلاء عليها رغم الدعوة إلى “توحيد النضالات”!!  أخذ الامر بعض الوقت واستمر النضال في الوقت الذي كانت فيه فروع التنسيقيات لا زالت تتأسس! دعي لأول إضراب يوم 5 أكتوبر والذي تزامن مع “عيد المدرس”، واستغرب الجميع كيف اقتنع من لم يضرب في الماضي ولو يوما واحدا، ولم يقتطع من أجره ولو درهما واحدا، وانخرط في إضراب دون أن يفكر في طريقة خوض المعركة ومداها، كما جرت العادة بالنسبة للمناضلات النقابيات والمناضلين النقابيين من خلال الاجتماعات الحضورية والنقاشات الحادة في بعض الاوقات! لم يتم فقط الانخراط الكامل في الاضراب، بل مطالبة الجميع بالانضمام لهذ المد الذي لا يعرف أحد أين سيصل؛ من هنا جاءت “دهشة” الاضراب، حيث تم التشبث به في حد ذاته كرد فعل ليس إلا، ودون أفق واضح، اللهم تلك التعويضات المفقودة في انتظار الركوب على الملف المطلبي للنقابات التي عملت عليه لسنوات، وذلك بتبني مطالب الفئات المختلفة! وكانت الخشية أن تتوقف الاحتجاجات بمجرد إعادة جدولة التعويضات لصالح من حرم منها!!! ووضعت شروط كنا نعرف أنها لن تتحقق أبدا في ظل الظروف الحالية من قبيل “سحب” النظام الأساسي، والزيادة التي قدرت حسب البعض ب 5000 درهم فما فوق، مع مطالب أخرى واردة في الملف المطلبي للنقابات!

المحللون “القانونيون” أو السحب والتعديل:

     ظاهرة اعتدنا عليها في هذا العصر الرديء، وهي أن وسائل التواصل الاجتماعي أعطت الفرصة للجميع (ما يسمى الذباب الالكتروني) أن “يحلل” ويعطي الدروس للمتتبعين أينما كانوا، ليصبح الشخص العادي يفهم في القانون والتعليم وعلم الاجتماع ووو دون أن يستحي، بل الخطير في الامر أن الأساتذة الجامعيون ومنهم دكاترة تقمصوا دور الصحفيين، ولم نعد قادرين على تصنيفهم! بل إنهم غطوا على دور الصحافة التي هي الوحيدة من له الحق في تقديم الاخبار وتحليلها حسب أخلاقيات المهنة. عوض ذلك، بدأ من هب ودب يقدم فديوهاته وأخباره على أنها مستقاة من “قاع الخابية”، وجديدة لم يتمكن أي مؤثر آخر أن يأتي بمثلها، مدعيا أن له مصادره “بالوزارة” (أين السر المهني إذن؟)؛ هكذا حملوا الملفات والقضايا ما لا تحتمل، أو بخسوها إلى أقصى حد! وأنتم أيضا تتبعتم وأعجبتم بالبعض، وتغاضيتم على البعض الاخر، وشتمتم في دواخلكم أو عبر تعليقات مباشرة (الامر الذي لا أتفق معكم حوله)، ليغير البعض من أولئك “المحللين” آراءهم 180 درجة خوفا منكم!!! الصحافة الالكترونية مع الأسف لم تكن في الموعد لأنها أعطت لبعض الأساتذة الذين يمثلون التنسيقيات حجما أكبر من حجمهم!!! وتبعتهم في أهوائهم وقبلت مغالطاتهم، بل ودافعت عنها من خلال “تدويرها” ومحاولة إحراج المسؤولين، والغريب في الأمر هو تلك المناظرات التي قبل بها المسؤولون خطأ، أمام أساتذة لم يعتبروا لا الفرق في السن، ولا الفرق في التجربة، فأباحوا لأنفسهم الصراخ في وجه الغير ومقاطعته أثناء الحوار!

     من بين القضايا التي أثارت الاهتمام واختلفت حولها الآراء “قضية السحب والتعديل” للنظام الأساسي، وتبنى فيها معظم المؤثرين موقف التنسيقيات، بل كان بعض المؤثرين يصبون الزيت على النار، فتأججت الأوضاع، وأصبحنا غير قادرين على الانصات لبعضنا البعض كأساتذة في المؤسسات التعليمية، ونواجه بأن فلان “القانوني” (الذي ليس من حقنا الاختلاف معه) يقول إن السحب مصطلح لا يمت بالقانون بصلة! وتسمع الجميع على وسائل التواصل الاجتماعي يتحدث عن قانونية السحب من عدم قانونيته! والسحب بكل بساطة لا ينظر إليه من وجهة نظر قانونية، بل من وجهة نظر تقنية لأنه لا يعقل أن تهدر الوزارة والنقابة زمنهما كي تعيدا عمل سنتين مرة أخرى، ومن وجهة نظر سياسية لأن الوزارة لها التزامات أخرى تعطيها الأولوية! والسحب في نظري يتطلب موازين قوى لا تملكها لا النقابات التي خبرت الصراع، ولا التنسيقيات التي تظن أن المطالب يستجاب لها بمجرد رفعها! التعديل كان هو المنزلة بين المنزلتين، وقد أصبح مقبولا عند العديد من الأساتذة إلا من تحمس أكثر، واراد أن يستقوي على الوزارة وعلى النقابات كما هو الحال بالنسبة لبعض أعضاء التنسيقيات!        

العقاب:

     كانت النقابة، كتنظيم، وأعضاءها ضحية من بين ضحايا آخرين للمؤثرين. كثير منهم أصابهم الغرور “عجبهم راسهم”، ونسوا أو تناسوا السياق الذي ظهرت فيه النقابة كشكل تنظيمي ضروري في الصراع ضد الرأسمال، ولم يعوا أن أي تنظيم آخر لا يرقى لمستوى النقابة غير “الحزب”، الذي يمكن أن يقلب موازين القوى لصالح طبقة معينة إذا توفرت الشروط التاريخية المناسبة، كما وقع في دول عديدة. معظم المؤثرين كانوا يتخبطون في تحليلاتهم ويسقطون على ملف التعليم الكثير من الآراء التي تهم تخصصاتهم، ولا تليق بالمشهد التعليمي وبالصراع حوله، حيث أصبحت تدخلاتهم أخلاقية أكثر مما يجب، وفيها الكثير من الوعظ، كأن مشاكل التعليم تنبع من أخطاء وهفوات، وليست خططا استراتيجية وضعتها الدولة لإصلاح التعليم كما ترى هي الإصلاح! وجد بعض المؤثرين أنفسهم يناصرون التنسيقيات إلى حد كبير، عوض توجيهها ومساعدتها على أن ترى الصورة كما هي؛ والصورة ثلاثية الأبعاد وليست ذات بعد واحد كما ظن منسقو التنسيقيات ومن يروجون لخطابهم. البعد الأول هو الوزارة، والبعد الثاني هو النقابات والبعد الثالث هو الحراك التعليمي الذي تعتبر التنسيقيات مكونا من مكوناته. الخطأ القاتل الذي ارتكبته التنسيقيات، ووراءها المؤثرون هي أنها ألغت البعدين الاخرين، معتقدة أنها ستحرك الشارع بنفس القوة وفي كل الاتجاهات التي تريد وبصورة دائمة. هذا الخطأ يرتكبه من لم يخض معركة من قبل، ولم يتفاوض من قبل حول ملف مطلبي، ويتصور أن النضال عبارة على دعوة على الفايسبوك، وأن المقاربة العددية كفيلة بتحقيق المطالب، وأن الوزارة خائفة، مرتعبة من الحشود؛ والأمر طبعا غير ذلك. الوزارة تحسب خطاها وهي ليست مندفعة؛ كان عليها أن تعدل من خطتها لأنها كانت مرفوضة من النقابات أولا، ثم من الشغيلة التعليمية ثانيا، ولو بقي الامر في هذا المستوى، ولم تتدخل التنسيقيات لشيطنة النقابات، والرغبة في الإحلال محلها لمرت الأمور بشكل عادي! أعتقد أن معركة 5 أكتوبر كانت كافية لكي تستوعب الوزارة الدرس، وكان من الأجدى أن نقوي النقابات، ونراقب عملها خاصة وأنها هي أيضا وصلتها الرسالة من نساء ورجال التعليم! 

     عوض ذلك، صبت التنسيقيات جم غضبها على النقابات، ودون تمييز! وتداول المنتمون إليها، الذين كان بينهم نقابيون مع الأسف، تلك الشتائم من قبيل “الشفارة” والمقولة الشهيرة “باعوا الماتش”، بل تعرض بعض النقابيين للعنف الجسدي خلال تظاهرة الرباط يوم 5 أكتوبر. دون أن يكلف الأستاذ نفسه الاطلاع على ما قامت به النقابات خلال تاريخها الطويل في النضال على المستوى الوطني، ودون أن يعي أن كل ما يتمتع به من حقوق جاء عن طريق النضال المرير الذي أدى إلى اعتقالات في صفوف النقابيين والنقابيات، كل ذلك لا يعرفه من أصيب ب”دهشة الاضراب”، والذي ظن أن النضال سيبتدأ من حيث بدأه هو! الغريب في الامر أن الجميع تبنى الملف المطلبي الذي وضعته النقابات، خطوة خطوة، حسب الفئات وحسب المستجدات، وتفاوضت حوله في جولات حوارية تمتد إلى ما يفوق عشرين سنة مضت، بل وقعت اتفاقيات مع الوزارة لم تستطع تنفيذها لأن الأساتذة كانوا في سبات عميق، مما أخل بموازين القوى لصالح الوزارة، ولم تتهم النقابات حينها ما أصبح يطلق عليهم ” القواعد الاستاذية” (هذه التسمية غير علمية بتاتا) بالتخاذل، وبأنها “باعت الماتش”، لأن النضال مد وجزر، ولكل قراءاته وتصوراته للواقع! قلت إن الملف المطلبي هذا تبنته التنسيقيات وأضافت إليه بعض الرتوشات واقتنصته أو سرقته ليصبح ملفها لوحدها!!! وبدأت التناقضات من قبيل أن التنسيقيات “تكره” النقابات، لكنها تحاسبها في كل محطة من محطات التفاوض، وتنتظر منها أن تحقق لها المكتسبات!!! من يريد المكتسبات لا ينتظر من العدو، النقابات، أن يضمنها له! إن إبعاد النقابات وتصنيفها ضمن القوى المعادية أمر مفهوم ما دمنا نتعامل مع أساتذة وأستاذات أغلبهم لم يناضل من قبل، ولم يحتك مع المناضلين والمناضلات، وله قدرة هائلة على الانصياع لأعداء النقابات الحقيقيين؟!

     الضحية الأخرى هم الأساتذة والاستاذات غير المضربين الذين نالوا قسطهم من الشتائم كأن أعضاء التنسيقيات لا يحسنون غير ذلك؛ فنعتوهم ب “الأيوبيين” و”الخونة”، إلى غير ذلك من عبارات التحقير. نسي أعضاء التنسيقيات أن أتباعهم كانوا بالأمس القريب “يتفرجون” على النقابيات والنقابيين أثناء تنفيذهم للمعارك النضالية المختلفة، بما فيها الاضراب الذي كانوا يتخلفون عنه، إما خوفا من الاقتطاع، أو لأنهم لا يزالون لم يتغلبوا على الخوف الموروث من اعتقالات الماضي! 

 

 

 

مصدر العداء للنقابات:

1.     المطرودون:

 كما نعلم تكون المساطر في بعض المحطات النضالية صارمة، وتتعامل النقابات مع منخرطيها معاملة قاسية تنتهي بالطرد من التنظيم عن حق أو عن غير حق، هذا ليس موضوعنا، فينتظر المطرود الفرصة لكي ينتقم ويظهر في عيون من يتزعمهم كأنه مناضل شريف! العملية هنا محض نفسية ولا علاقة لها بالنضال إلا في أذهان المريدين. يعمل المطرود على نشر التدوينات والفديوهات المختلفة ويجعل الجمهور يصدق أمور لا تصدق أصلا، وفيها الكثير من التعميم بحيث يغلب الاستثناء على القاعدة كأن يقول إن نقابيا معينا يدافع عن مصلحته ويترك مصلحة المنخرطين، أو أنه أخذ رشاوى أو غيرها من الأمور التي يغلب عليها طابع الافتراء!  

2.     المتأدلجون:

هناك من الاساتذة والاستاذات من يتعامل مع النقابة على أنها حقل إديولوجي بامتياز! بما أنه يحمل إديولوجية يعرف أنها لن تقبل داخل نقابة معينة يستعدي تلك النقابة، ويصدر الاحكام على المناضلين يمينا وشمالا ويكرههم لأنهم، مثلا، يساريون، ملحدون وووو… وعندما تأتيه الفرصة لا يقصد تحقيق ملفا مطلبيا (وكيف له أن يفعل)، بل خوض حرب ضد أعداء إديولوجيته.

3.     الانتهازيون:

طبعا أي صراع لا يخلو من الانتهازيين، وهم فئة من الأساتذة والاستاذات الذين يتطلعون إلى استغلال فرصة الحراك لقضاء غرض شخصي محض، من تغيير للإطار، أو انتقال، أو ما شابه، ومنهم من يريد أن ينتهز الفرصة فقط ل”رؤية” الوزير والمسؤولين الآخرين وتبادل أرقام الهواتف معهم ربما يحتاج إليهم يوما ما! وقد أخبرنا أن من بينهم من يصعد(من تصعيد) فقط قصد تهديد المسؤولين، وجعلهم ينفذون ما يريد كي يسكت!!  ويمكن أن نضيف إلى هؤلاء، نوع من الأساتذة والأستاذات انتهزوا الفرصة فقط “للظهور” (باش يبانوا)، ولكي يحققوا مرادهم يطلبون اللقاءات مع الصحفيين، أو يصبحون مادة إعلامية لبعض المنابر، كي يهجموا على الجميع: نقابات، ووزارة، وحكومة؛ وأصبح الأمر مكشوفا حيث الجميع ينتظر بداية اللعبة حيث يسأل الصحافي مثلا:

       قل لنا أسي فلان، ماذا تقول عن النقابة الفلانية؟

        لا تقل النقابة فهي نفايات ومزابل، النفايات لم تعد تمثلنا!

       كيف وهي لها مشروعية تاريخية؟

       المشروعية لنا، نحن من أخرجنا القواعد التعليمية إلى الشارع!

      

      

مثل هذه الحوارات غير الرزينة، والتي تسهل على الوزارة أن تنعت الاساتذة ب”العدميين”، تعد خطيرة على الحراك التعليمي، لأنها تحمل في طياتها بوادر التحكم والاستبداد، إذا ما تم خلق نقابة يتزعمها هؤلاء مثلا. ظهر شخص على فديو يهدد ويأمر الأساتذة والاستاذات ألا يتوقفوا عن الاضراب وأن “اتبعونا نحن أسيادكم!!!”. وقرأت تعليقا يقول “لا احنا ماأسياد حد!” ليصحح ما جاء به صاحب الفديو، والشخص الثاني لا شك منسق أيضا لإحدى التنسيقيات وقد شعر بالحرج لما ذكره زميله.

        السقوط الحر أو تكتيك الوزارة:

     لا شك أن التنسيقيات كانت تحمل في طياتها سبب تفجرها من الداخل. فهي غير قابلة لأن تكون موحدة، والوحدة كانت وهما ما فتئ يكبر إلى أن تلاشى، بسبب الاختلاف المهول بين أعضاءها، فهناك المحسوبون على اليسار، والمحسوبون على اليمين، والمعتدلون والمتطرفون، والذين يحملون إيديولوجية دينية، وهناك المتحزبون والنقابيون، خليط لا يمكن أن ينسجم أبدا ولو طبقت عليه كل النظريات العلمية!!! في الأخير هناك الاستاذات والأساتذة المساكين الذين كانوا ينتظرون المتصارعين الحقيقيين كي يأتوهم بالفرج فيأمروا وينهوا! ” انتظروا، لا ليس يومين من الإضراب، بل أربعة أيام، لا نحن من دعونا قبلهم، من يكونوا حتى نتبعهم، نرفض التنسيق معهم لأن بينهم نقابة؟!”، هكذا كان زعماء التنسيقيات يفكرون، هم يدعون إلى التفرقة تحت شعار الوحدة، وهم نقابيون يرفضون النقابات (إيوا سير أنت نظر)! بل ظهر في الأخير فديو لأحد المنسقين يتهم مجلس إحدى التنسيقيات بتزوير الحقائق، وبتوجيه الشغيلة التعليمية لاتخاذ قرار معين والزج بها في خوض معارك ليست قادرة على خوضها! من بين تلك المعارك طلب التنسيقيات للتفاوض مع الوفد الحكومي مباشرة، الشيء الذي رفضه الوفد الحكومي، واكتفى باستقبال التنسيقيات مع أعضاء نقابة كانت مكونا ضمن إحدى التنسيقيات. من هنا بدأ الصراع يتفجر، كل منسق لتنسيقية يريد أن يتشرف “بالجلوس إلى جانب الوزير العدو/الصديق!”، وتم الاتفاق على حضور 24 فرد عن النقابة وعن التنسيقيات؛ من هنا يظهر الانقسام، وقلة التجربة، وضعف التنظيم. 24 شخص زائد أعضاء الوفد الحكومي؛ لنقل إن المفاوضات ستتم بين ثلاثين مشاركا! كم من الوقت سيدوم هذا الاجتماع، ولماذا سنعرض ملفا مطلبيا أصبح يحفظه الجميع، ما هو هدف الاجتماع إذن؟ الطامة الكبرى هي أن بعض أعضاء التنسيقيات تركوا الجوهري، وركزوا على أنهم حضروا بصفتهم كتنسيقيات! (وذا وأتوا/ وقتوا) كما يقول المصريون، بل إن بعض هؤلاء الأعضاء أساءوا الادب وخاطبوا الوفد الوزاري بطريقة لا تليق!!! ستسير الأمور نحو تنفيذ الوزارة خطتها، وهي سحب دعم تلك النقابة للتنسيقيات، وتثبيتها في مكانها الطبيعي، أي كعضو مفاوض ضمن النقابات الخمس. بمجرد ما انضمت هذه النقابة إلى الحوار مع الوفد الحكومي، تلقت وابلا من السباب وأصبحت هي أيضا “نفاية لا ثقة فيها، وأننا كنا نعرف منذ البداية أنها ستخون!”، إلى غير ذلك من التخبطات. في الوقت الذي كنا نتابع تصريحات الوزارة، وخاصة ما بين السطور، كانت التنسيقيات تعيش في واد آخر: واد الزهو وتخليد الانتصار الذي لم يتحقق بعد! كان في تصريحات الوزارة الكثير من التصميم والوضوح: “لن تكون هناك سنة بيضاء، وسيعود الأساتذة والاستاذات إلى أقسامهم!” مع ذلك، لم يلتقط المنسقون الرسالة واستمروا في الاضراب معتقدين أن المسألة مسألة كم! تم التهديد بالاقتطاع الذي لم ينل من الشغيلة التعليمية، لكن التوقيف عن العمل كان هو الضربة التي قصمت ظهر البعير. وهنا هرول بعض المنسقين ليحصلوا على شهادات طبية تغطي أيام الاضراب التي علموا أن التوقيف سيترتب عليها، وبدأ الاتصال بالمديريات الإقليمية والتدخلات حتى لا يصل التوقيف للمنسقين، وفعلا عوقب أساتذة عاديين بالتوقيف في حين لم يعاقب المنسقون في بعض المؤسسات (حلل وناقش!). وتركت المعركة ضحايا موقوفين تتحمل التنسيقيات قسطا من مأساتهم لأنها لم توقف الاضراب في الوقت المناسب بسبب التهور، والمزايدات، وقلة التجربة. وظهرت أستاذات وأساتذة، على فيديوهات، ربما ناضلوا في إطار النقابات لسنين طويلة، لكن لم يتعرضوا لما تعرضوا له في كنف التنسيقيات لمدة زمنية لا تتعدى ثلاثة شهور! لأن التنسيقيات لا تعلم أن المناضل الذي يتحمل المسؤولية في المكتب، مثلا، هو الذي يسعى إلى حماية مناضلي ومناضلات التنظيم أولا، قبل أن يفكر في نفسه!

     عادت عقارب الساعة إلى الوراء، إذن، بحيث الجميع يبحث عن النقابات، كي توقف التوقيف في حينه، أو بعد أن نفذ؛ فاسترجعت الفاء نقطتها الثانية، وسقطت نقطة الياء، لتصبح “النفايات” نقابات مرة أخرى!!!

 عبدالله بعنو

21 يناير 2024

                                                     

 







تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.