الأحد 25 فبراير 2024| آخر تحديث 8:26 12/07



هل في إسرائيل مدنيون حقا؟

هل في إسرائيل مدنيون حقا؟

ذ. ابراهيم بوغضن

يوظف الكيان الصهيوني الإرهابي في سعيه المحموم لشيطنة المقاومة الفلسطينية مجموعة من السرديات التي لا يَملُّ من تكرارها على أنظار وأسماع العالم أجمع، مستغلا في ذلك الأخطبوط الإعلامي العالمي الذي يتحكم فيه، من ذلك، على سبيل المثال لا الحصر، سردية ” حق إسرائيل في الدفاع عن النفس” أمام هجمات حماس، سردية ” إسرائيل واحة الديموقراطية في محيط عربي متخلف ومستبد”، وسردية ” حماس تتعمد قتل المدنيين الإسرائيليين” في عملية طوفان الأقصى وغيرها من أعمال المقاومة .

سنتطرق في هذا المقال إلى هذه السردية الأخيرة في محاولة لمقاربة سؤال جوهري يرتبط به فَهْمُ ما جَرى ويجري على أرض فلسطين السليبة، وهو: هل في إسرائيل مدنيون حقا؟ وهل ما تَبْنِي عليه إسرائيلُ سرْديتَها تلك مُؤسَّسٌ على معايير القانون، والواقع، وأخلاقيات الحرب المتعارف عليها عالميا؟ وهل يستقيم الحديث عن ” عسكريين” و “مدنيين ” في دولة ومجتمع مثل “الدولة” والمجتمع الإسرائيليين؟ .

ما من شك أننا أمام سرديةٍ جوهرية في الدعاية/الشيطنة الصهيونية، لأن إسرائيل، من جهة أولى، قامت بتسويقها على المستوى العالمي بحيث سمعنا قادة غربيين يرددونها بنوع من اليقين ( بايدن، ماكرون، صوناك …)، و شاهدنا غالبية وسائل إعلام كبرى تسير في الاتجاه نفسه، و من جهة ثانية، فإن الصهاينة “العرب”، رافعي شعار “كلنا إسرائيليون” عقب انطلاق عملية طوفان الأقصى، إنما يبررون موقفهم التضامني المخزي مع إسرائيل بكون القتلى في الجانب الإسرائيلي كانوا مدنيين، ثالثا وأخيرا برزت أصوات محسوبة على علماء الدين تُردِّد هذه السردية وتَبني عليها رؤى فيها كثير من التدليس والتغليط. لكل ذلك فإن الأمر يحتاج إلى تحرير كي نحافظ على “صفاء الفكر وصفاء الوجدان” كما عبَّر ذاتَ كتابٍ الحكيمُ البشري.

ولتحرير القول في هذه السردية لا مناص من الرجوع إلى أصل المشكلة أي جوهر النزاع الإسرائيلي الفلسطيني، وإلى طبيعة المجتمع الإسرائيلي “دولة” وشعبا، وإلى مكان ومكانة المستوطنات والمستوطنين داخل تراب هذا الكيان المصطنع والمغروس في خاصرة الأمة العربية والإسلامية.

أولا – في أن الأصل هو حماية النفس البشرية بإطلاق:

حتى لا يَفهم أحدٌ، بحسن نية أو بسوئها، أننا بصدد الدعوة إلى عدم تحييد المدنيين في النزاعات المسلحة نبادر إلى القول بأن منطلقنا في النظر في هذه النقطة هو المنطلق الشرعي في مستوى أول، والمنطلق القانوني في مستوى ثان. ومعروف للمبتدئين في الدراسات الإسلامية بَلْهَ المتخصصين المتعمقين أن الإسلامَ وضع قواعدَ تحكم العلاقاتِ بين المتنازعين في فترات الحرب، من ذلك أنه لا يجعل الخصوم أثناء الحرب في كفة واحدة، إنما يُقسمهم إلى فئتين: فئة المقاتلين وفئة غير المقاتلين. الفئة الأولى تشمل القادرين على القتال والمشاركين عمليا فيه، وهم عادة يتشكلون من الرجال الأصحاء والشباب. أمَّا الفئة الثانية فتتشكل ممن لا يقدر على الحرب أو لا يشارك فيها كالشيوخ، والمرضى، والأطفال، والنساء، والمتفرغين للعبادة في صوامعهم و معابدهم بغض النظر عن ديانتهم.

و”القرآن الكريم يَعُدُّ إزهَاقَ الروح جريمةً ضد الإنسانية كلِّها. ويَعُدُّ تَنجِيَّتَها من الهلاك نعمةً على الإنسانية كلها… والمسلم وغير المسلم سواء في حرمة الدم واستحقاق الحياة، والاعتداءُ على المسالمين من أهل الكتاب هو في نُكره وفُحشه كالاعتداء على المسلمين وله سوء الجزاء في الدنيا والآخرة” (محمد الغزالي: من كتابه – حقوق الإنسان في الإسلام- ). والأصل في ذلك هو قوله تعالى في محكم التنزيل: “من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا، ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا” (سورة المائدة، آية 32) و المعنى العميق لهذه الآية هو أن قتل الإنسانِ، مطلقَ الإنسان، هو عدوانٌ على الإنسانية جمعاء وعلى الجنس البشري برمته.

ولذلك فإن الاعتداء على أي نفس بشرية بريئة، في أي مكان على وجه البسيطة، بغض النظر عن الدين أو اللون أو الجنس، إنما هو اعتداء علينا جميعا، ويستصرخ في أحرار العالم آدمِيَّتهم، وإنسانيتهم، من أجل إنقاذها، وكفِّ يد المعتدي عنها.

ثانيا- في طبيعة إسرائيل “دولة” وشعبا:

“دولة” إسرائيل لاتشبه أي دولة أخرى في العالم، سواء من حيث نشأتُها أو من حيث طبيعتُها. فمن حيث النشأةِ هي “دولة ” لقيطة، لم يكن لها وجود فعلي على خرائط دول المعمور قبل عام 1948، وتأسست على الغزو الاستيطاني الإحلالي، أي أنها اقْتلعَت بالحديد والنار شعبا بكامله، وهو الشعب الفلسطيني، من على أرضه التي عاش فيها لأزيد من ثلاثة آلاف سنة، وأحلَّت مكانَه نَاسًا غُرباء قَدِموا من كل دول العالم، مُعَبَّئِين من الناحية الثقافية، بعقيدةِ دينية خرافية تؤمن بتفوق بني صهيون على بقية الشعوب، وبفكرِ عنصريٍّ قائمٍ على كراهية الآخر وإلغائه، بل واستباحة دمه.  و بتعبير عبد الوهاب المسيري فإن “دولة” إسرائيل قامت على أساس نقل اليهود من “المنفى” إلى فلسطين ونقل العرب من فلسطين إلى “المنفى”. أما من حيث طبيعتُها فتتجلى، خلافا لكل دول العالم، من جهة أولى، في أن الجيش في إسرائيل هو الشعب، والشعب هو الجيش، بحيث يصعب الفصل بين الجيش والشعب، ومن جهة ثانية فإن الجيش في إسرائيل لا يتكلف بمهام عسكرية وحسب وإنما له مهام أخرى تربوية من مثل إدماج المهاجرين الجدد داخل المنظومة الثقافية والعسكرية الإسرائيلية. وقد عمدت النخبة في إسرائيل – بحسب فهمي هويدي-  إلى تلقين الأطفال منذ صغرهم أنَّ قتل الفلسطينيين أمر عادي وطبيعي للغاية، حتى ان درس الحساب في الصف الثالث الابتدائي حيث يُعلَّم الطفلُ الجمعَ والطرحَ فإنه يضع أمامه مسألة تقول: إذا قَتلْتَ خمسةَ فلسطينيين وقتل زميلُك سبعةً فكم واحدا تَفَوَّق عليك زميلُك؟ !!

وبما أن المشروع الصهيوني ” كان يهدف إلى نقل الفائض البشري اليهودي من أوروبا إلى فلسطين وتحويله إلى “مادة قتالية” تخدم المصالح الغربية، فإن كل الظواهر الصهيونية ابتداء من الزراعة وانتهاءِ بالتلفزيون تكتسب بعدا عسكريا” ولهذا صك المسيري رحمه الله مصطلح “الزراعة المسلحة” للتعبير عن أن كُلَّ جوانبِ الحياة في إسرائيل مسلَّحةٌ، وشرحه بقوله: ” إذا كان العدو الصهيوني يحمل الآن رشاشا وحسب، فهو كان يحمل مسدسا وفأسا حين حضر من دار الحرب، إذْ اكتشَفَ أنه لابد أن يقوم بالزراعة والقتل في نفس الوقت حتى يضمن لنفسه البقاء، فَعَنْ طريق الزراعة يمكنه أن يطرد العرب من الأرض، وعن طريق القتل يمكنه أن “يدافع” عن نفسه ضد المطرودين. فالزراعة المسلحة هي وسيلة الصهاينة للاستيطان والاحتلال” ( عبد الوهاب المسيري من كتابه – الانتفاضة الفلسطينية والأزمة الصهيونية – الهيئة المصرية العامة للكتاب -ص 75 و ص 103 /104) .

ناهيك عن أنه في سبيل تحقيق هدفهم الأكبر المتمثل في إقامة “دولة” تحتضن كل يهود العالم على أرض فلسطين فقد ارتكب الصهاينة عشرات المجازر المروعة في حق الفلسطينيين، ومحوا مِن على الخريطة مئات القرى والمدن الفلسطينية، وأَنشأُوا مئات المستوطنات التي يقطنها مئات الآلاف من المستوطنين الغاصبين.

ثالثا – في طبيعة الاستيطان والمستوطنين:

إن فكرة “الاستيطان” من اختراع الحركة الصهيونية وتعني الاستحواذ على أرض فلسطين بأي وسيلة كانت، عن طريق الشراء أو الإغراء، إذا أمكن، وإِلاَّ فبالقوة والعنف. وكان القصد بذلك في بداية ظهور الفكرة خلال أواسط القرن التاسع عشر هو إعداد اليهود المهاجرين إلى فلسطين للعمل في الزراعة لأن الزراعة تُرَبِّي في صاحبها الارتباطَ بالأرض. وعلاوة على هذا البعد، يرى كثير من المستوطنين أن الإقامة في الضفة الغربية هي شأن ديني عقدي لكونها في زعمهم هي أرض أجدادهم التي تسمى في التاريخ اليهودي “يهودا والسامرة”. وليس ذلك فحسب، بل إن قادة الكيان الصهيوني يؤمنون بأن أمن اسرائيل لا يتحقق إلا بما يسمونه ” الاستيطان المسلح”، ولذلك فجميع المستوطنين يحملون سلاحا شخصيا من نوع رشاش (عوزي). وفي هذا الإطار تتنزل خطة إتمار بن غفير، وزير الأمن الداخلي في الكيان الصهيوني، القاضية بتوزيع آلاف قطع السلاح على المستوطنات في الأسابيع القليلة الماضية.

و ” يعيش في المستوطنات أعتى المستوطنين أيديولوجية، وتنظيما، وإرهابا، حيث ينضوي هؤلاء تحت منظمات إرهابية سرية مهمتها الأولى تعزيز الاستيطان، والمهمة الثانية هي محاولة الاستيلاء على مزيد من الأراضي…







تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.