الأربعاء 7 ديسمبر 2022| آخر تحديث 3:56 10/12



الأمازيغية.. الهولوكوست التربوي الجديد

الأمازيغية.. الهولوكوست التربوي الجديد

ذ.عبد المنعم الخيلية

بادئ ذي بدء لا يمكن لأي كان أن يجادل في محورية البعد الهوياتي الأمازيغي كركيزة أساسية في بناء شخصية الإنسان المغربي المتعددة الأبعاد، إلى جانب البعدين الحساني والعربي، كما لا يمكنه أن يجادل في المكانة الدستورية المتقدمة لهذا البعد حاليا، ولا جدال كذلك في الحيف التاريخي الذي تعرض له هذا المكون الثقافي لأسباب يتداخل فيها الموضوعي والذاتي، وهو ما أفردنا له كتابات سابقة ولا يسع المجال لتفصيله في هذه التدوينة المختصرة.. هذا الحيف وهذا التهميش الذي كنا في طليعة الرافضين له والمطالبين برفعه كيساريين تقدميين رفقة شرفاء الحركة الثقافية الأمازيغية الذين خضنا معهم المعارك النضالية في نفس الخندق زمن القمع والرصاص ودفعنا الثمن غاليا قبل أن يسقط القطر بمناضلي الريع الهوياتي.

المسار الذي تُوج -نتيجة للإرادة السياسية- بدسترة اللغة الأمازيغية وإقرار تدريسها بالمدرسة المغربية كمكون تربوي قائم الذات، وهذا ما يعتبره جميع المغاربة الآن مكسبا مجتمعيا لا يمكن لأي كان أن يفرط فيه أو يزايد به على الآخر.. وبطبيعة الحال فهذا المكسب ليس كاملا، وهو في حاجة مستمرة للمحافظة عليه وتعزيزه وتطويره تربويا وديداكتيكيا، وهنا يجب أن تنتهي مهمة الناشط الإيديولوجي المناضل المترافع وتبدأ مهمة الفاعل التربوي المنزل للمشروع بمستوياته المتعددة، وهذا ما لم يتحقق ولن يتحقق للأسف الشديد في ظل محاولة بعض الانتهازيين الشوفين تحويل هذا المكون التربوي لبعبع سياسي وإيديولوجي.. نعم لقد أصبحت تهمة العنصرية والقومجية والإسلاموية واحتقار الأمازيغية و…و.. تلاحق كل من حاول الاقتراب من هذا الحقل الملغم لتصويب الممارسات وإصلاح الاختلالات التربوية والتشريعية، لدرجة أن البعض أصبح يفضل السكوت والتغاضي عن جرائم تربوية ترتكب يوميا في حق متعلمين أبرياء عوض الوقوف في وجهها خوفا من مواجهة ترسانة جمعوية وإعلامية جبارة على أتم الأهبة والاستعداد للتشويه والتحريض ضد كل من سولت له نفسه التشكيك في هذا الهولوكوست الجديد، لتتحول تهمة معاداة الأمازيغية إلى رديف جديد لتهمة معاداة السامية بكل الحمولات القمعية الإقصائية التي تحملها.

وهو الموضوع الذي أود تقاسم بعض أفكاره معكم اليوم خارج القوالب والدوكمات الجاهزة:

أول وأخطر ريع يجب أن يحارب في قضية تدريس الأمازيغية على الصعيد الوطني هو بدعة التمييز في ساعات العمل بين أساتذة اللغة الأمازيغية وباقي أساتذة التعليم الابتدائي، وذلك من المنطلقات التشريعية التالية:

لا توجد فئة مهنية مستقلة خاصة بأساتذة اللغة الأمازيغية في النظام الأساسي لموظفي وزارة التربية الوطنية، فهم ينتمون لنفس فئة أساتذة التعليم الابتدائي، لهم نفس الواجبات ونفس الحقوق ومنها عدد ساعات العمل.

الأحق بساعات العمل المخففة هم باقي أساتذة التعليم الابتدائي الذين يدرسون مواد متعددة، وليس من يتخصص في مكون واحد.. ولعمري جميع أساتذة الابتدائي يشعرون بهذا الحيف ويعانون من هذا التمييز غير المبرر.
الوثيقة الوحيدة التي يستند عليها المطالبون بالتمييز في ساعات العمل عن باقي أساتذة التعليم الابتدائي هي المذكرة 130، وهي صادرة في 12 شتنبر 2006 أي قبل 6 سنوات من تخرج أول فوج من أساتذة التخصص الأمازيغي، وكانت هذه الوثيقة تستهدف أساتذة التعليم الابتدائي المتخصصين في العربية أو الفرنسية الذين يتم تكليفهم بشكل مؤقت لتدريس الأمازيغية.

حتى وإن افترضنا جدلا استمرارية قانونيتها بعد تغير السياق والمسار وبعد صدور المنهاج الدراسي للتعليم الابتدائي في نسخته النهائية يوليوز 2021، فإن المذكرة السالفة الذكر أي المذكرة 130 تعرضت لأكبر تأويل خاطئ في تاريخ المذكرات التربوية بالمغرب حيث جاء فيها ما يلي: “تخصيص أستاذ لتدريس اللغة الأمازيغية كلما بلغ عدد الأقسام التي تدرس بها ثمانية أقسام.” وهو ما فهم منه أن ساعات التدريس هي: 3 ساعات لكل قسم مضروبة في ثمانية أقسام لنحصل على 24 ساعة المفترى عليها كسقف، والواقع أن عبارة “كلما” في اللغة العربية وبإجماع النحاة هي ظرف زمان يفيد الشرط والشرط في اللغة هو الحد اللازم وليس النهائي، فالمشرع هنا يتحدث عن شرط تخصيص أستاذ متخصص أي الحد الأدنى، وبطبيعة الحال لم يتحدث المشرع عن الحد الاقصى لأن عدد ساعات أستاذ التعليم الابتدائي معلوم وهو 30 ساعة، والمعلوم في القاعدة الفقهية لا يعاد الإعلام به.

هذا فقط للتوضيح ولرفع التمييز عن باقي الأساتذة، أما مبدئيا فأنا من المدافعين عن تخفيض ساعات العمل لجميع أساتذة التعليم الابتدائي بدون استثناء، على أن لا تتجاوز 24 ساعة.

البدعة الثانية هي اقتطاع حصص الأمازيغية من الفترات الزمنية المخصصة للمواد الدراسية الأخرى في مس صريح بالزمن المدرسي للمتعلمات والمتعلمين وضدا في المحددات الصريحة الواردة في الوثيقة المنهاجية (الصفحتين 43 و44)، فقط لأن الفرنسية والعربية والرياضيات والنشاط العلمي والتربية الفنية والتربية البدنية والاجتماعيات مواد لا بواكي لها ولا نشطاء يرفعون سيف ديموقليس للدفاع عنها.

البدعة الثالثة هي إدراج حصص الأمازيغية التي ينجزها الأستاذ المتخصص داخل جداول الحصص الخاصة بأستاذ آخر، على أساس أنها حصص أنجزت مع نفس الفوج من المتعلمين وفي نفس الوقت من طرف الأستاذ المتخصص وأستاذ العربية أو الفرنسية معا، وفي ذلك تدليس وتزوير واضح واحتساب مزدوج لنفس المهمة لأستاذين، مما يطرح إشكالات قانونية كبرى بخصوص الحوادث المدرسية وعنصر المسؤولية التقصيرية التي ستنتقل من فردية إلى ثنائية، وكيف سيتم التعامل مع هذا الوضع على مستوى التأمين المدرسي.

المنهاج الدراسي للتعليم الابتدائي في صيغته النهائية -يوليوز 2021- لا يميز بين أساتذة تخصص اللغة الأمازيغية وبين باقي أساتذة التعليم الابتدائي معتمدا مبدأ المماثلة عندما تحدث عن الغلاف الزمني وحصص التدريس بالسلك الابتدائي (ص: 41)، وعندما أكد على ضرورة الإشارة لحصص الدعم وأنشطة الحياة المدرسية والتكوين المستمر وجوبا في الجدول الأسبوعي لحصص كل المدرسات والمدرسين(ص: 43)، وعندما ذكر بصريح العبارة أن الأستاذ المتخصص في اللغة الأمازيغية يدرس كزملائه المتخصصين في اللغة العربية والفرنسية بمعدل ثلاث ساعات لكل قسم حسب ما تنص عليه المذكرات المنظمة (ص: 43)

لمن لا يعرف ذلك فإن الوثيقة المنهاجية السالفة الذكر وثيقة ملزمة وواجبة التطبيق بناء على المقرر الوزاري رقم 80.21 الصادر في 29 يوليوز 2021 الذي جاء في مادته الأولى أنه :

“ابتداء من الموسم الدراسي 2021-2022 يطبق، وبشكل حصري، المنهاج الدراسي الجديد للسلك الابتدائي -الصيغة النهائية يوليوز 2021- بجميع المؤسسات التعليمية العمومية والخصوصية بكافة التراب الوطني.”

بعيدا عن القبعات المهنية والإيديولوجية، دعوة للتفكير خارج الصندوق.. أمسية سعيدة..







تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.