الخميس 13 أغسطس 2020| آخر تحديث 10:37 07/09



بايشى يكتب : الباكالوريا التقويم وكورونا

بايشى يكتب : الباكالوريا التقويم وكورونا

حين تتوالى الملاحظات من المعنيين المباشرين بامتحان في حجم وأهمية الباكالوريا فالأفضل لكل مسؤول يهمه الأمر أن يصغي، ليس لامتصاص غضب الممتحنين، وإن كان هذا مطلوبا، ولكن ليتأكد حقا من استيفاء الامتحان / الأداة التقويمية فعلا للشروط المطلوبة حتى يستفيد من كل ثغرة في تطوير نظامه التقويمي مستقبلا. أما الاكتفاء بالدفاع عن الامتحان كأن الباطل لا يأتيه من بين يديه ولا من خلفه فرد لا يقدم وإنما قد يؤخر نظامنا التقويمي كثيرا.
ليس صدفة أن يتفق الكثيرون على أن امتحان الرياضيات في شعبة العلوم الفيزيائية بشكل خاص جاء خارج المألوف. وهذا لا ينفيه حتى من ناصر هذا التغيير ورآه إعادة اعتبار لمادة ركن فيها التلاميذ وكثير من الأساتذة لحفظ مراحل الحلول وزهدوا في مهارات الفهم والتركيب والتحليل.
إن هذا المبرر إن سلمنا به يجعلنا نسائل امتحانات السنوات الماضية، فهل نستطيع القول بأنها امتحانات لم تكن في المستوى المطلوب؟ أو كانت بعيدة عن الأطر المرجعية المقررة؟
يخطئ من يجعل الإطار المرجعي مرجعا لمواضيع الامتحان فحسب، إذ هذه أصلا عناوين معروفة لدى الجميع، لكن أهمية الإطار المرجعي كامنة في ضمان التناسب بين المهارات المدرسة (حالة التعلم النموذجي/المفترض) والوضعيات الاختبارية التي يتضمن الامتحان. وأي اختلال في هذا التناسب يعد شططا في التعاقد الجامع بين مختلف الأطراف المعنية من جهة وصية وأساتذة وتلاميذ وأولياء أمور.
وهذا التعاقد بالمناسبة يمكن ألا يقف عند المواضيع ونسب المستويات المهارية، بل قد يتعدى إلى تحديد الصيغ الاختبارية وهو ما نجده في كثير من الامتحانات المدرسية والمهنية التي يشرف عليها المركز الوطني للامتحانات، فضلا عن الكثير من الروائز والاختبارت الدولية دون أن يعني ذلك سقوطا في النمطية.
قبل أيام اطلعت صدفة على امتحان علوم الحياة والأرض للشعبة نفسها بيد زميل مختص في المادة، تضمن الامتحان مما تضمن سؤالا يتطلب الكتابة في أحد موضوعين، ونبه المترشح إلى أن الاجابة عليهما معا ولو كانت صحيحة تنقط صفرا. فقلت لصاحبي هل السؤال يستهدف مكتسبات المتعلم في المادة أم فهمه للتعليمة؟ هب أن متعلما حسن النية تحت توتر الامتحان وإجراءات كورونا أجاب جيدا على السؤالين معا، هل يستحق فعلا الصفر؟
ما تعلمناه في التقويم يجعلنا نحدد ما الذي نريد قياسه بالضبط قبل أن ننبري لصياغة الأداة. والتنقيط بالصفر أو الناقص يكون معقولا في الأسئلة الموضوعية كالاختيار من متعدد أو الربط عندما يختار المترشح جوابين أحدهما صحيح والآخر خاطئ… أما في مثل هذا السؤال فصعب ما لم نكن قد دربنا التلاميذ وتعاقدنا معهم سلفا عليه. ولهذا تخصص الروائز ذات الصيت العالمي وقتا للتعاقد على التعليمات وفهمها قبل الانطلاق الفعلي للرائز. وقد أثلج صدري أخيرا تراجع الوزارة عن هذا المطب بعدما تبين لها أثناء التصحيح أن الكثير من التلاميذ المجدين وقعوا في شراكه. وهو استدراك محمود يؤكد أن الاكتفاء بالدفاع التبريري وبسند الإطار المرجعي وبكفاءة اللجن شيء ينبغي أن نتجاوزه. فالأخطاء واردة مهما كانت كفاءة أصحابها ومراسلات الوزارة الاستدراكية لمراكز التصحيح في هذا الموضوع وغيره خير دليل.
إن نتائج اختبار الرياضيات الذي أثار الكثير من النقاش إن صدرت ونشرت تعد خميرة جيدة لبحث طريف. فرضيته الأساسية أن أداء التلاميذ سيكون أفضل من السنوات الماضية لاعتبارين: الأول أنهم امتحنوا في إطار مرجعي مخفف لأنه اكتفى بالتعليم الحضوري قبل الحجر الصحي منتصف مارس. وثانيهما أنهم استفادوا من مدة أطول للتحضير تجاوزت الثلاثة أشهر. أما إن كانت النتائج أقل فلا مناص من رد السبب إما لطريقة تعليمنا ومناهجنا وأساتذتنا، وهو متغير مستبعد لأنه مشترك بين السنة الحالية والسنوات الماضية. أو لكيفية تقويمنا خلال هذا الموسم وآنذاك لا بأس أن نراجع موازيننا. وإلا فأمامنا متغيران باقيان يصعب أن نحملهما المسؤولية تلاميذ هذا الموسم وفيروس كورونا.
وختاما فالتقويم مِن بناء الأطر المرجعية إلى القياس إلى اتخاذ القرار سيرورة ليست باليسر المظنون، لكنها بحث وجهد و ورش لم نتقدم فيه كثيرا. وتشهد تقارير المجلس الأعلى في صيغتيه الأولى والثانية ووثيقة الميثاق وأخيرا الرؤية الاستراتيجية والقانون المنبثق عنها على أن نظامنا التربوي أمامه الكثير بهذا الصدد، كما تشهد مشاركاتنا في الروائز الدولية ( بيرلز – تيمس – بيزا…) على أن الموازين التي نقيس بها والكيفيات التي ندرس بها ينبغي أن تراجع ، فهل نبدأ الخطوات الصحيحة بالفعل أم نكتفي كدأبنا بقراءة النتائج وتأويلاتها؟

محمد سالم بايشى – مؤطر تربوي.







تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.