الثلاثاء 14 يوليو 2020| آخر تحديث 3:55 05/13



“محمد السيك” يكتب : الأمثال، دروس عابرة للحدود

“محمد السيك” يكتب : الأمثال، دروس عابرة للحدود

من أمتع القراءات التي عرفناها خلال مسارنا الدراسي بالسلكين الابتدائي والإعدادي تلك النصوص الحاملة للأمثال والحكم. ولأنها كانت نصوصا مفعمة بالتعابير المجازية والبلاغة والخيال فقد كان المتعلمون يحفظونها عن ظهر قلب وتترسخ تلقائيا في أذهانهم ويتخذوا منها شواهد في إنتاجاتهم وإبداعاتهم، لتصبح في النهاية جزءا من شخصياتهم وهويتهم، ولبنة من لبنات الثقافة المشتركة لجيل برمته.

ومن المعروف أن الأمثال قد أخذت حيزا لا يُستهان به في لغة العرب، وكانت جزءًا من ثقافتهم؛ قال دُريد بن الصِّمة:
وإلَّا فأنتُم مثلُ مَنْ كانَ قبلَكُمْ * ومَنْ يعقلُ الأمثالَ غيرُ الأكايسِ

وقد كانتِ العرب تستعمل الأمثال في الجاهلية وفي الإسلام، قال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه:
فاقرَأْ كتابَ اللهِ جهدَكَ واتلُهُ * فيما يقومُ به هناكَ ويُنصَبُ
بتفكُّرٍ وتَخشُّعٍ وتَقرُّبٍ* إنَّ المقرَّبَ عندَهُ المتقَرِّبُ
واعبُدْ إلهَكَ ذا المعارجِ مُخلصًا * وانصِتْ إلى الأمثالِ فيما تُضرَبُ

كما أن الأمثال تُتَداول بين الأمم وتَشق طريقها بيسر برغم اختلاف اللغات والطباع دون حاجة إلى سند أو مرجع أو برهان أو كاتب يكتبها كما تكتب القصة أو القصيدة أو كتب الفلسفة والفلك، لأن التجربة البشرية تشترك في كثير من أنماط المعاناة والسلوك. يقول الباحث ” أوله كراو” الذي جمع حوالي” 9000 ” مثل من مائتي لغة بينها العربية بأن الكثير من هذه الأمثال نشأت أو قيلت أساسا في مجتمعات فلاحية لذلك كانت صورها مأخوذة من حياتهم في الحقول والاسطبلات، إنها تتحدث عن الثيران والبقر والخيول والكلاب والخنازير والماعز.

والأمثال تحمل في ثناياها عبرا ومواعظ وحكما تنبه الأجيال الصاعدة إلى مواقف سابقة، وتختصر عنها الطريق وتجنبها كبوات وعثرات الماضي فتكون لها عونا على الحياة. يقول الماوردي في «أدب الدنيا والدين»: (وللأمثال من الكلام موقع في الأسماع، وتأثير في القلوب، لا يكاد الكلام المرسل يبلغ مبلغها، ولا يؤثر تأثيرها؛ لأن المعاني فيها لائحة، والشواهد بها واضحة؛ فلذلك ضرب الله الأمثال في كتابه العزيز، وجعلها من دلائل رسله).

وقد وردت الأمثال في القرآن الكريم بالعشرات لغايات متعددة ذكر منها الزركشي: “التذكير، والوعظ، والحثّ والزجر، والاعتبار، وترتيب المراد للعقل، وبيان تفاوت الأجر، والمدح والذمّ، والثواب والعقاب، وعلى تفخيم أمر أو تحقيره، وعلى تحقيق أمر أو إبطاله”. قال تعالى:
– ﴿ وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْآنِ لِلنَّاسِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ وَكَانَ الْإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا ﴾
– ﴿ وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ ﴾
– ﴿ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ ﴾
– ﴿ وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ ﴾

أما الآيات التي ضرب الله فيها الأمثال فهي كثيرة منها قوله عز وجل في سورة البقرة :

1. ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ} [البقرة].
2. ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ﴾ [البقرة].
3. ﴿إن اللهَ لا يستحييأَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا﴾ [البقرة].
4. ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ﴾ [البقرة].
5. {مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ﴾ [البقرة].
6. ﴿فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ﴾ [البقرة].
7. ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَتَثْبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ﴾ [البقرة]
8. ﴿أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ﴾ [البقرة].
9. ﴿كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ﴾ [البقرة].
10. ﴿وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ﴾ [آل عمران].
11. ﴿مَثَلُ مَا يُنْفِقُونَ فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ أَصَابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَأَهْلَكَتْهُ﴾ [آل عمران].
12. ﴿ كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ فِي الْأَرْضِ﴾ [الأنعام].
13. ﴿فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ﴾ [الأعراف].
14. ﴿إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ﴾ [يونس].
15. ﴿ مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ كَالْأَعْمَى وَالْأَصَمِّ وَالْبَصِيرِ وَالسَّمِيعِ﴾ [هود].
16. ﴿إِلَّا كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ﴾ [الرعد].
17. ﴿أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا﴾ [الرعد].
18. ﴿مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ﴾ [إبراهيم].
19. ﴿ألَمْ ترَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ﴾ [إبراهيم].
20. ﴿وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ﴾ [إبراهيم].
21. ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَمْلُوكًا﴾ [النحل].
22. ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلَيْنِ﴾ [النحل].
23. ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً﴾ [النحل].
24. ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا رَجُلَيْنِ﴾ [الكهف].
25. ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [الكهف].
26. ﴿فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ﴾ [الحج من الآية: 31]
27. ﴿ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [الحج].
28. ﴿مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ﴾ [النور].
29. ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ﴾ [النور].
30. ﴿أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ﴾ [النور].
31. ﴿مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ﴾ [العنكبوت].
32. ﴿ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾ [الروم].
33. ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا﴾ [الزمر].
34. ﴿نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ﴾ [محمد].
35. ﴿ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ﴾ [الفتح].
36. ﴿كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ﴾ [الحديد].
37. ﴿كَمَثَلِ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ [الحشر].
38. ﴿كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ﴾ [الحشر].
39. ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ﴾ [الجمعة].
40. ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [التحريم].
41. ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ [التحريم].

وقد أفرد الإمام الترمذي في جامعه كتابا للأمثال جاء في ستة أبواب جمع فيه أربعة عشر حديثا. أما أبو الفضل أحمد بن محمد النيسابوري المعروف بالميداني وصاحب مَجْمَعُ الأَمْثَالِ الذي يعتبر مرجعا في الأمثال العربية القديمة فقد أفرد في مؤلفه هذا بابا للأمثال النبوية تحت عنوان ” في نبذ من كلام النبي صلى الله عليه وسلم وخلفائه الراشدين والسلف الصالحين” ذكر فيه 58 مثلا نبويا منها:
– إن من البيان لسحرا.
– إن المُنْبَتَّ لا أرضا قطع ولا ظهرا أبقى‏.‏
– المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده.
– الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت.
– كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته.

ومن الشعراء من نظم القصائد كلها من الأمثال كأرجوزة أبي العتاهية التي سماها ذات الأمثال ومنها هذه الأبيات:
لِكُلِّ ما يُؤذي وَإِن قَلَّ أَلَـــــــم * ما أَطوَلَ اللَيــــــــلَ عَلى مَن لَم يَنَم
عَلِمتَ يا مُجاشِــــــــع ُ بنَ مَسعَدَة * أَنَّ الشَبـــــــابَ وَالفَراغَ وَالجِدَة
. *مَفسَدَةٌ لِلمَـــــــــر ء ِ أَيُّ مَفسدَة
لَيسَ عَلى ذي النُصحِ إِلّا الجَهدُ * الشَيبُ زَرعٌ حـــــان َ مِنهُ الحَصدُ
*الغَدرُ نَحسٌ وَالوَفـــــــــاءُ سَعــدُ

ومن أمثلة العرب التي تناقلتها الألسن وبلغت الآفاق قولهم:
– على نَفسِها تَجني بَرَاقش
– وافقَ شَنٌّ طَبَقة
– جَزَاءً سِنِمَار
– أولُ الغَزوِ أَخْرقُ
– لا ناقَتي فيها ولا جَمَلي
– تَجُوعُ الحُرَّةُ وَلا تَأكُلُ بِثَدْيَيْهَا
– رَجَعَ بِخًفّيْ حُنَيْن
– نَدِمْت ندامَةَ الكًسَعي.
وغيرها من الأمثال التي تعود في الغالب الأعم إلى قصص وحكايات تمتد لعدة قرون، مما جعل الناس يحتفظون بالأمثال لسهولتها وخفتها ويتركون أصولها التي أدت إلى ضربها.

ذ.محمد السيك
(نسخة مؤقتة توسَّعُ وتُثبتُ هوامشها لاحقا)







تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.