الأربعاء 21 أغسطس 2019| آخر تحديث 7:35 03/25



التوظيف بالتعاقد مجرد شجرة تخفي الغابة؟

التوظيف بالتعاقد مجرد شجرة تخفي الغابة؟

كما تستمر الخرجات الأسبوعية للسترات الصفراء في فرنسا، والاحتجاجات الشعبية العارمة في الجزائر للمطالبة بتغيير النظام؛ تستمر في المغرب أزمة الأساتذة المتعاقدين معمّقة أزمة المدرسة العمومية، ومهددة بإشعال شرارة أزمة اجتماعية قد تنفلت من السيطرة. لكن الخصوصية المغربية في هذا السياق المتشابه تكمن في أن الأمر يدور على شاكلة حوار الطرشان، ولا أحد من أطراف الأزمة أو المعنيين بها يتحدث بصراحة حول جوهر المشكلة وأبعادها الحقيقية.

الدولة التي قدّمت كلّ شيء لتلبية مطالب الأساتذة وإرجاعهم إلى قاعات الدرس، لا تعطي أي تفسير لإصرارها على إبقاء علاقة الأساتذة الجدد منحصرة في الأكاديميات الجهوية بدل الوزارة المركزية، مادامت تؤكد أن الكلفة هي نفسها والأجور والتعويضات المخولة للمتعاقدين هي ذاتها التي يحصل عليها الموظفون.

من جانبهم، الشبان الذين التحقوا بالمدارس لتعليم أبناء المغاربة في السنتين الأخيرتين، لا يقدمون أكثر من رفع شعار لا بديل عن الإدماج، رغم تراجع الحكومة عن جميع المقتضيات التي كانت تعتبرهم متعاقدين أو معنيين بفسخ العقد… وحتى الأحزاب السياسية والنقابات وبعض الملاحظين النزهاء، لم يبرحوا دائرة التناول الإيديولوجي المفتقر إلى قدر من الواقعية.

حاولت قراءة كمّ كبير مما كتب حول هذا الموضوع، وعدت لمشاهدة بعض البرامج الحوارية التي خصصت له في القنوات التلفزيونية، محاولا العثور على عقدة هذه القنبلة الاجتماعية، فلم أعثر سوى على تفسير واحد يلفّه الصمت في أغلب الحالات، فيما يكتفي البعض بتغليفه برداء المؤامرة العابرة للحدود.

يتعلّق الأمر بحرص «وجودي» من جانب الدولة على تخفيف ميزانيتها العامة من قسم من كتلة الأجور التي باتت تثقل كاهلها. حرص نجد آثاره الواضحة في التقارير والخطط الرسمية الأخيرة الموجهة إلى الوظيفة العمومية، أبرزها تقرير المجلس الأعلى للحسابات الخاص بسنة 2016، والذي دق ناقوس الخطر بعد تجاوز كتلة الأجور عتبة 120 مليار درهم، واقتراب عدد الموظفين العموميين من إكمال 600 ألف موظف، نصفهم في وزارة التربية الوطنية.

هو هاجس «محاسباتي» مؤكد، إذن، لدى أصحاب القرار، حيث يسمح نقل جزء من موظفي التعليم من سجل الوزارة إلى حسابات الأكاديميات الجهوية، التي يعتبرها القانون مؤسسات عمومية مستقلة، بتقديم «حصيلة مالية» إيجابية، تماما كأي مقاولة صغرى تسعى إلى إقناع البنوك بإقراضها. فهل تقف المؤسسات المالية الدولية وراء هذا الهاجس؟

جل التقارير الصادرة حديثا عن كل من البنك الدولي وصندوق النقد الدولي تؤكد تقليص كتلة الأجور، ومهما أمعن المسؤولون في الإنكار، فإن تقارير المؤسستين المستقرتين في واشنطن تبوح جميعها بهذه التوصيات، التي تبدو القرارات الحكومية حريصة على تنفيذها، بما فيها الشروع في إنهاء مجانية التعليم.

هل هو اختيار خاطئ؟ ليس بالضرورة، يجيب مصدر أكاديمي من بين المصادر التي وجهت إليها سؤالي لفهم هذا الإشكال، والذي لن أكشف هويته بما أنني لن أكشف هوية المصادر الأخرى نظرا إلى مسؤولياتها الرسمية. هذا المصدر الأكاديمي أوضح أن خيار التعاقد يندرج في إطار توجه استراتيجي شامل يتطلب، أولا، التحكم في الميزانية وتقليص كتلة الأجور.

لكن، ما الفرق بين دفع أجور الأساتذة المتعاقدين عبر الأكاديميات وبين صرفها ضمن أجور باقي الموظفين العموميين؟ الأمر بسيط يردّ مصدر آخر يتولى مسؤولية سامية في إحدى الوزارات. «هذه الأجور لن تظهر ضمن سجل التزامات الدولة المالية، لأنه ليست الدولة هي التي تقوم بالالتزام بل مؤسسات عمومية هي الأكاديميات عبر مجلسها الإداري. فمن منظور المؤسسات المالية الدولية، هناك مؤشر أساسي في تقييم الالتزامات المالية للدولة، واحتساب عجز الميزانية وتحملات الدولة المستقبلية في النفقات، خاصة كتلة الأجور… ومن خلال التعاقد، يجري إخراج كل هذا العبء من حسابات الدولة، وتحويله إلى المؤسسات العمومية التي لا تخضع لتقييم كهذا».

مصدري أعطى مثالا لفهم الأمر، وهو أن «الوزارات عندما تحتاج إلى شراء سيارات جديدة، وعوض أن تطلب ذلك من رئيس الحكومة، وهو ما يصطدم عادة بالرفض أو الاستجابة الجزئية؛ يجري طلب اعتماد كراء سيارات. النتيجة هي الحصول على العدد المطلوب من السيارات، لكن، على المستوى المحاسباتي، لم تلتزم الدولة بالاستثمار في السيارات العمومية، والأمر يتعلق فقط بنفقات تسيير تخص التنقل يمكن إيقافها في أي لحظة».

مصدر آخر قال لي إن الدولة تحضّر إصلاحا شاملا للوظيفة العمومية، وهو ما يتطلب بعض الصدمات، «فالمؤسسات الدولية تصرّ على توجيه القسم الأكبر من الميزانية للاستثمار الذي ينتج النمو، وليس إلى الأجور التي تتحول إلى استهلاك غير منتج. لكن السياسيين، في العادة، يفضلون رفع الأجور وخلق وظائف لأن ذلك يجلب لهم الأصوات الانتخابية، وهو ما يفسّر مسارعة أحزاب، مثل الأحرار والاستقلال، إلى التبرؤ من التعاقد رغم أنها شاركت في إصداره».

لكن، ألن يدرك خبراء البنك والصندوق الدوليين أن اعتمادات مالية جرى تحويلها من المركز إلى الجهات، ولم توجه إلى الاستثمار؟ «لا، لأن الفرق جوهري على المستوى الاقتصادي»، يجيب أحد مصادري، «لأن المنصب المالي يعني تحمل الدولة أجرة شهرية لمدة لا تقل عن 30 سنة، إلى حدود الإحالة على التقاعد، في حين أن العقدة، ولو أنها ممكنة التجديد للمدة نفسها، إلا أنها اقتصاديا لا تعني حتميا التزام الدولة بتلك التكلفة الأجرية للمدة نفسها وبالحتمية والإلزامية نفسيهما».

الطرفان معا «محقان» في موقفيهما في نهاية الأمر، الدولة مرغمة على حماية توازن ماليتها لعدم توفر الموارد اللازمة للاستمرار في التوظيف، والأساتذة المتعاقدون محقون في تمسكهم بالإدماج لأن نية التخلي عنهم يوما ما واردة.

هل يعني ذلك التزام الحياد والانصراف؟ لا أعتقد ذلك. فهذه الخلاصة تؤدي حتما إلى طرح أسئلة أخرى من قبيل: لماذا فشلنا في خلق النمو الكافي حتى أصبحنا عاجزين عن توفير الأستاذ والطبيب؟ ألا يفرض إرغام المغاربة اليوم على تحمل تبعات سياسات لم يشركوا أو يستشاروا في وضع أغلبها، إعادة النظر في النموذج السياسي بشكل يسمح بتحرير الطاقات، وحمل المستفيدين من الريع والامتيازات على إفساح المجال لسوق حرة ومتكافئة؟

ألا يعيدنا الأمر في النهاية إلى السؤال المركزي الخاص بالتعاقد السياسي والتمكين للديمقراطية، ويجعلنا نكتشف أن التوظيف بالتعاقد مجرد شجرة تخفي الغابة؟

يونس مسكين







تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.