الإثنين 22 يوليو 2019| آخر تحديث 2:28 01/17



صعوبات تنزيل قانون113.13: بين تدبير المجالات الرعوية وضمان حقوق الساكنة المحلية

صعوبات تنزيل قانون113.13: بين  تدبير المجالات الرعوية وضمان حقوق الساكنة المحلية

اختلف المهتمين والمختصين في مجال تدبير وإدارة المراعي، في وضع تعريف جامع مانع وشامل لأراضي المراعي،إلا أن ذلك لم يمنع من الاتفاق على كون المراعي بمثابة أراضي واسعة وشاسعة غير مزروعة وغير مسيجة، وتزخر بتنوع الكلأ الطبيعي للمواشي.
وبالنظر لكون هذه الأراضي، غير صالحة للزراعة سواء باعتماد الوسائل الحديثة أو الوسائل التقليدية من جهة، ولوعورة تضاريسها وأيضا لانخفاض معدل التساقطات المطرية فيها، ولتدني خصوبتها من جهة أخرى،فإن الاستغلال الأمثل لها يبقى محصورا في إنتاج الكلأ لمواشي الرعاة والرحل منهم على وجه الخصوص.
وتجدر الإشارة، أن المراعي الطبيعية تشكل مصدرا مهما لتوفير الأعلاف خصوصا في المناطق الجبلية، حيث تغطي جزءا من الاحتياجات الغذائية المجانية للثروة الحيوانية، رغم التدهور والاستغلال المفرط الذي يتعرض له طيلة العشر سنوات الأخيرة. مما يقتضي وضع استراتيجيات ومخططات لتدبير وتنظيم هذه المراعي، وذلك ضمانا لحق الانتفاع والاستفادة، وفق ضوابط ومعايير قانونية متوافق حولها، بين جميع المستفيدين من المراعي عمومية كانت أو خصوصية.
والجدير بالذكر، أن بداية الاهتمام بتنظيم المراعي، تعود إلى نهاية القرن التاسع عشر، حيث ظهرت في أول الأمر بالولايات المتحدة الأمريكية، وبالضبط في غربي ولاية تكساس، حيث قام ” سميث Smith “سنة 1895، برصد مجموعة من مظاهر تدهور المراعي بهذه الولاية، بسبب الرعي الجائر أو غير المنظم،فعلى سبيل المثال ؛ حدوث نقص في حمولة المراعي، و انخفاض خصوبة التربة نتيجة فقدان الغطاء النباتي، و انضغاط التربة نتيجة وطء حوافر الحيوانات الراعية، ثم انخفاض خصوبة التربة نتيجة فقدان الغطاء النباتي…
وقد وضع” سميث Smith ” سنة 1899 ، اللبنات الأولى لإدارة المراعي ، حيث يعتبر أول من أوصى بتحديد أعداد الحيوانات الراعية، وإعطاء المراعي فترات من الراحة، وتطوير مصادر ماء الشرب ومكافحة الشجيرات غير الصالحة للرعي، ونثر البذور كوسيلة لتحسين المراعي وتشكل هذه المقترحات؛ الحجر الأساسي الذي تقوم عليه إدارة المراعي في الوقت الحاضر.
وإذا كان علم إدارة المراعي نشأ في الولايات المتحدة الأمريكية،إلا أن ذلك لا ينفي وجود قبائل الرعاة في بعض مناطق العالم، كآسيا وإفريقيا ، حيث ظلت القبائل ترعى ماشيتها في أراضي المراعي لآلاف السنين، وقد حافظت هذه القبائل على نظام للرعي يتسم بنوع من التدبير التقليدي، حيث يتم خلاله ؛الموازنة بين أعداد الحيوانات (المواشي) مع كمية الكلأ المتوفرة في المراعي.
والمعروف أن نظم استعمال المجالات الرعوية فيما مضى، كانت ولا تزال؛ تسري عليها قواعد وتقاليد متعارف عليها، خصوصا ما يرتبط منها بطرق استعمال هذه المراعي، عند حدوث مجاعة، أو فترة الجفاف ونقص في عدد المراعي بمنطقة دون أخرى.
وفي ظل غياب قوانين تنظيمية مكتوبة لتدبير وإدارة المراعي، فإنه يتم اعتماد مجموعة من الأعراف والتقاليد، التي تسعى إلى ضمان حقوق المنتفعين بالتساوي مع الحرص على ديمومة هذا الانتفاع، فقد أشارت العديد من الدراسات إلى أهمية الصكوك العرفية المبرمة بين الرعاة وملاك المراعي، في تدبير هذه الأخيرة.
وقد شكلت المجالات الرعوية قديما، مثار صراعات وحروب قبلية، فلما جاء الإسلام سعى جاهداً للقضاء على هذه الصراعات القبلية؛ و جعل من الماء والكلأ والنار الضروريات الثلاثة المشاعة بين الناس.
و تعتبر المراعي الطبيعية، مصدرا مهما لتوفير الأعلاف في المغرب خصوصا بالمناطق الجبلية بالجنوب (سوس ماسة)،حيث تغطي جزء من الاحتياجات الغذائية المجانية للثروة الحيوانية، رغم التدهور والاستغلال المفرط الذي تتعرض له طيلة العشر سنوات الأخيرة. حيث مازالت تعتبر الركيزة الأساسية لغذاء الحيوانات الرعوية، كما تساهم في تغطية الاحتياجات الغذائية، لفائدة الرحال لمدة تتراوح ما بين ثلاثة وأربعة أشهر، بدون تغذية تكميلية أو مدعمة.
ومحاولة من المشرع المغربي تنظيم الكلأ، كضرورة مشتركة بين الناس، فقد قام بصياغة القانون رقم 13.113 المتعلق بالترحال وبتهيئة وتدبير المجالات الرعوية والمراعي الغابوية، و المصادق على تنفيذه بظهير عدد 1.16.53 والصادر بتاريخ 27 أبريل 2016.وقد عرفت(المادة 2/ الفقرة 1) من هذا القانون المراعي، بكونها :” الأراضي الرعوية أو ذات الطابع الرعوي بما في ذلك المراعي الغابوية”.
وباستقراء بعض التشريعات العربية الأخرى، فيما يخص تنظيم وتدبير المراعي، نستحضر قانون المراعي الطبيعية، الذي أصدره المشرع العراقي مند سنة 1982، والذي عرف المرعى الطبيعي في (المادة 2) بأنه : ” كل أرض ذات نبات طبيعي خاص بالرعي مملوكة للدولة، مخصصة لأغراض الرعي، وغير صالحة للزراعة اقتصاديا”.
وعلى اعتبار، ظاهرة الترحال الرعوي، قاسما مشتركا بين جزء كبير من القبائل العربية، كما سلف ذكره آنفا، فإن تمة بعض الدول التي دأبت على تقنين هذا المجال لردح من الزمن،(العراق، السودان، الأردن…) عكس بعض الدول الحديثة العهد بوضع قوانين تنظيمية للمجالات الرعوية، (المغرب، الإمارات…)، فبخصوص المشرع الإمارتي، فقد أصدر في سنة 2018، قانون رقم 7 بشأن تنظيم المراعي، ونصت (المادة 1) منه، على أن:” المراعي بكونها الأراضي التي تنمو وتكثر فيها النباتات الرعوية، النابتة طبيعيا أو بالزراعة أو بالاستصلاح، وتخصص لرعي وتغذية الحيوانات”.
وعلى ما يبدو، أن تعريف المشرع المغربي، متسم باقتضاب شديد، مقارنة بتعاريف القانونين الآخرين، ويمكن تفسير ذلك بكون التفاصيل مرجأة، إلى حين صدور القوانين التنظيمية، التي نراها بمثابة ثقل وعراقيل في الآن نفسه، تحول دون تنزيل وتطبيق، القانون رقم 113.13، خاصة وأن عددها محدد في (18 قانون تنظيمي).
أضف إلى ذلك، ضعف بل غياب تأهيل الموارد البشرية والمؤسساتية المتخصصة في تدبير المراعي، سواء على المستوى المركزي، أو الجهوي والمحلي، ويزيد من تعقيد هذا الجانب غياب تعاونيات أو تنظيمات خاصة بالرعاة، عموما والرعاة الرحل على وجه الخصوص،كقنوات للتواصل والتفاعل، في أفق تنزيل سليم لمقتضيات القانون السالف الذكر.
ومن منطلق ما سبق، يمكن القول بالتشكيك في مصداقية المشرع المغربي في تنظيم وتدبير المجالات الرعوية من جهة،وإلى اعتبارها مدخلا لبلورة سياسة حماية المكتسبات، المتعلقة بتدبير المجال الغابوي والرعوي، وجعلهما مدخلات التنمية الحقيقية والمستدامة لمختلف مجالات الإقليم القروي منها والحضري، وعلى جميع المستويات الاقتصادية والإجتماعية والثقافية والبيئية من جهة ثانية .
وإذا كانت صيرورة تدبير وإدارة المراعي، قد انتقلت من التدبير العرفي إلى التدبير المقنن، وباعتبار الأهمية التي تحظى بها، لدى الساكنة المحلية، لكونها تستمد أسسها وجوهرها من كونها بمثابة العمود الفقري لحق الملكية ، والذي تتفرع عنه باقي الحقوق، كالحق في الاستغلال والحق في الانتفاع…، واستحضارا للانعكاسات السلبية لاعتداءات الرحل وتداعيات الرعي الجائر، على ممتلكات ساكنة بعض الأقاليم، (إقليم تيزنيت)، وفي ظل غياب أي تعويض مادي للمتضررين من هذه الاعتداءات. فهل يمكن الحديث عن بداية نهاية العمل بالقوانين التي تنص على أن الرعي في مجال الأركان خاص للملاكين فقط؟

جامع سموك

 

ملاحظة : إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي هيئة تحرير جريدة تيزبريس وإنما تعبّر عن رأي صاحبها.







تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.