الأربعاء 26 سبتمبر 2018| آخر تحديث 8:26 01/11


نهاية “تمازيرت”..

نهاية “تمازيرت”..

إذا كان المفكر الأمريكي “فرنسيس فوكوياما” قد أحدث ببحثه الشهير “نهاية التاريخ والإنسان الأخير The End of History and the Last Man” تسعينيات القرن الماضي ضجة ما زال صداها يتردد في جنبات الفكر العالمي السائد، كناية عن عولمة النموذج الغربي في “الديموقراطية” وما يصاحبها من قيم ومبادئ، والتي تشكل نهاية حتمية للتطور الإيديولوجي الإنساني -حسب زعمه-، فإن له أن يفخر بهذا النحت الفريد الذي شكل علامة فارقة في السائد حاليا.
نحن في عالمنا القروي -تمازيرت- بالكاد وصلتنا أصداء ما ذهب إليه “فوكوياما” في السنوات الخمس الأخيرة وظهرت آثارها بشكل جلي، وبتنا أمام واقع لا ينفك، تماما مثلما نحن أما سيولة هادرة فككت إنسان “تمازيرت” وحولته إلى نموذج استهلاكي غارق في فردانية مخيفة.
لقد كانت “تمازيرت” إلى حد قريب تشير إلى العمق الإنساني، وتمتح من عناصر جمالية رائعة، فيكفي أن تخاطب “أوتمازيرت” على هامش مدلهمات الحياة الاقتصادية وتعقيداتها حتى تنفتح أساريره وتطمئن النفوس، ذلك أن الالتحام الحاصل بين مكوناتها والمصير الواحد والفضاء المشترك يسهل عملية التواصل ويفضي إلى المطلوب.
كانت “تمازيرت” بعيدة عن حياة التعقيدات المدنية التي تحول الإنسان إلى كائن صناعي -بتعبير بيجوفيتش-، وكانت جل تمظهرات العيش فيها نابعة من صميم البساطة واليسر.
اليوم، بتنا أمام ظواهر تستحق دراسات سوسيولوجية عميقة، لا أقول في مجال واحد فحسب، بل أكاد أجزم بأن جميع مجالات الحياة الإنسانية قد اقتحمتها “لعنة فوكوياما” في ظرف وجيز وجعلتها في خدمة النمط العالمي الذي نسير وفقه بشكل سريع.
ففي المجال الاجتماعي، عايشنا بداية انهيار منظومة “تيويزي” التي كانت العمود الفقري لتضامن “تمازيرت” وفق تصور فلسفي بديع، إذ يعمد الناس إلى تبادل الخدمات فيما بينهم، على أساس المحافظة على المصلحة العامة ونكران الذات، والقطع مع قيم الفردانية والأنانية والاتكالية، والتطلع إلى البناء بأبسط الأساليب والآليات المتوفرة، وهو ما أنتج لنا طرقات ومسالك سهر الناس على شقها بأبسط الوسائل، ومنافع كثيرة ما زالت آثارها شاهدة على ذلك.
وانعكست صورة “تيويزي” على المناسبات الدينية والوطنية، بل وفي حالات الفرح والحزن التي تطرق الأبواب بين الفينة والأخرى.
وفي المجال الاقتصادي، كنا لحدود بداية الألفية الحالية جزءا من الكل الذي ينشد المصير المشترك، وسؤال الجماعة الواحدة، فنجد الأرامل والشيوخ الذين لا يتوفرون على سند جزءا من نسيج اقتصادي تخصص له مقدرات جماعية، وتسهر “تمازيرت” على مؤونتهم وملبسهم وحلهم وترحالهم، وتطلق عليهم ألقاب وأسماء كناية عن الاحترام والتقدير، وهنا توقفت على الوضع القريب جدا دون أن أشير إلى عصر “إكودار” وما عنته من الأمان الاقتصادي والتخطيط الاستراتيجي لمستقبل الاقتصاد المحلي.
وفي المجال الثقافي، كانت للثقافة المحلية مركزية وثقل تشغل بال الصغير قبل الكبير، بدءا بالزي المحلي التقليدي واليدوي الذي يتم تسويقه في أسواق ومواسم منتظمة، وانتهاء بتمظهرات ثقافية لامادية تتخذ طابع البساطة، والرقي الإنساني، والإبداع المحلي، في الأفراح والأحزان.
وفي المجال الديني، كانت سلطة “الفقيه”، في قمة الهرم السلطوي السائد، وكانت توجيهاته، وفتاويه، وقراراته تحمل طابع الإلزام والنفاذ، لما لها من قوة روحية تسيج كافة السلوكيات وتخضعها لميزان واحد، هو ميزان التدين المحلي الذي يمثله “الفقيه”، بما يعنيه ذلك من خدمة القبيلة له عبر “تاوالا ن الطالب” و “ليحضار” وغيرهما.
وفي المجال الإداري كانت سلطة “أمغار” لا يعلى عليها، في تكامل غريب بين السلط: (سلطة الأعيان-سلطة الفقهاء و”الطلبة”- سلطة أمغار/ممثل المخزن).
اليوم، بتنا أمام وضع جديد يمتح من النموذج العولمي الذي أشرت إليه سلفا. ففي الميدان الاقتصادي، تحكمت الرأسمالية والفردانية في رقبة الاقتصاد المحلي، فصنعت أجيالا استهلاكية على غرار ال”فاست فوود Fast food” والعقل الإلكتروني أو الإصبع الصغيرة بتعبير -ميشال سار Michel Serres-، الغارقة في اليوتوبيا. وفي الميدان الاجتماعي حلت الأسرة “النواة” محل الأسر الممتدة، وبتنا نعيش مشاكل التشظي، والأزمات الأسرية التي تنتهي غالبا في ردهات المحاكم المكتظة لتأزيم ما يمكن تأزيمه في أفق التأزيم الشامل.
وفي الميدان الديني انحسرت سلطة “الفقيه” الروحية -إن صحت هذه التسمية وفق معطيات الواقع- في أداء الصلوات الخمس، والارتباط بالإدارة المركزية التي يمثلها.
وفي مجال تكون النخب، يظل الأعيان المتحكمون في تلابيب المال هم العملة الصعبة التي لم تتغير، بل تقوى نفوذهم بشكل كبير ومخيف أمام تحررهم من قيم إنسانية كثيرة، وفي ظل انحسار غيرهم. وتغولت أدوارهم التي تتشابك غالبا مع مصلحة النخب المنتخبة والفاعلين الجمعوين وممثلي الإدارة (المخزن)، وباتوا علامة فارقة في عملية إعادة إنتاج آليات النفوذ .
ولأن العديد من التحولات قد شابت الفاعلين والمتدخلين في مجال “تمازيرت”، تظل هيمنة مواقع التواصل الافتراضية وسرعة المعلومة واحدة من أكبر المستجدات التي استطاعت تحويل بوصلة المفهوم إلى ما هو جديد. ذلك أن هذه الفضاءات كرست السرعة اللامنطقية التي تتحدى الواقعية، وصارت سلطة قوية توجه الجميع بشكل غريب.
إن هذا الوضع سبق “تمازيرت” ردحا من الزمن فجعلها تعيش زمانا غير زمانها، وإن صح التعبير جاز القول بأن التكنولوجيا سبقتنا كثيرا، لذا، كانت التصرفات الصبيانية التي تظهر بين الفينة والأخرى ممن يفترض فيهم العقلانية تؤكد الوضع المعاش.
أملي أن نقطع مع مفهوم “تمازيرت” كتعبير دلالي ضيق نحو أفق أرحب، يجعل من المدنية مرجعا، ويستحضر عولمة العولمة إطارا تفسيريا فرض نفسه.

أحمد إضصالح 




تعليقات

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *