الخميس 13 أغسطس 2020| آخر تحديث 9:54 07/06



زواج المال والسلطة: الخطر الذي يهدد الدولة

زواج المال والسلطة: الخطر الذي يهدد الدولة

الحسن أكتيف

يقال انه ما اجتمع المال والسلطة الا كان الفساد ثالثهما، لان السلطة تبيع شرفها ونزاهتها وأمانتها بحفنات من المال الأسود يملأ به الساسة الذين يملكون السلطة جيوبهم، مخافة ان يفقدوا مناصبهم ذات يوم، فلا يجدون ما يبقيهم على سلطتهم وهيبتهم، فيلجؤون الى تكوين ثروة مما يجمعونه من أصحاب المال للمحافظة على هيبتهم وحضورهم وحجم علاقاتهم السابقة وامتيازاتهم.
أما رجال المال والأعمال، فمن أجل السيرة على السلطة فانهم يسلكون مسالك عدة، منها البقاء خارج الدائرة، والعمل على استمالة السياسيين، وإحكام القبضة عليهم بهدف تحويلهم إلى أدوات لتحقيق مصالحهم التي غالباً ما تكون مصالح فاسدة، لأن السياسي اللاهث خلف المال، ورجل الأعمال الحالم بالسلطة، كلاهما يجري باتجاه الآخر، وما أن تختلي السلطة مع المال في دهاليز الإدارة الا ويصبح الفساد ثالثهما.
ومن الأساليب التي يلجؤون اليها أيضا مشاركة اهل الحكم حكمهم، ومن ثم التحول إلى وزراء أو مسؤولين كبار. وهذه الطريقة يراها البعض أقل كلفة من الوجود خارج دائرة السلطة، حيث تتشابك المصالح، ويصبح المشرع صاحب مصلحة، والمحصلة هي المردود المالي الكبير من الصفقات الأكثر ربحاً، والتهرب الضريبي الذي يفوت على ميزانية الدولة مبالغ مالية ضخمة.
ولم تسلم معظم الدول من ثنائية المال والسلطة والذي سيطر على دواليب الدولة وأنتج فسادا ينخر في اقتصاداتها، الا أن حدة هذا التغول (أي تغول لوبي المال و الأعمال) يختلف من دولة الى أخرى، فاذا كانت دول العالم الأول و الثاني لا تتأثر كثيرا بسيطرة أصحاب المال على السلطة، الا أن دول العالم الثالث تعاني كثيرا من هذا التغول وهذه السيطرة التامة لرجال الأعمال و أصحاب النفوذ على دواليب السلطة، بمساعدة السياسيين الفاسدين، حتى أصبحت الإدارة كلها في يد الشركات الكبرى و اللوبيات المتحكمة، وأصبح الفساد هو عنوان الممارسة الإدارية في هذه الدول.
ولم يسلم المغرب بدوره من ثنائية المال و السلطة، أو زواج المال والسلطة، منذ أن اقتحم مجموعة من رجال المال والأعمال وذوي النفوذ قبة البرلمان بمساعدة ودعم من السلطة وتكتلوا بعد ذلك في اطار حزب منحت له كافة الامتيازات وجعلت الإدارة تحت تصرفهم، ومنذ ذلك اليوم ولوبي المال و الأعمال يؤسس لمصالحه بمساعدة اداريين وسياسيين فاسدين على حساب اقتصاد ينهار يوما بعد يوم الى ان وصل المغرب الى الوضع الذي اطلق عليه الملك الراحل الحسن الثاني ما سماه بالسكتة القلبية، اذ خاطب المغاربة في أكتوبر 1995 من البرلمان قائلا: “إن البلاد مهدد بالسكتة القلبية”.
وبالرغم من بعض الانفراج الذي حدث مع حكومة التناوب التوافقي بقيادة الراحل عبد الرحمان اليوسفي، وبعض الإشارات حول تخليق الحياة السياسية، وما تلاه من دستور 2011 الذي جاء بعد احتجاجات 20 فبراير التي خرج شبابها ينادون بإسقاط اخطبوط الفساد الذي يجمع كل هذا الخليط غير المتجانس من الإداريين و السياسيين الفاسدين ورجال الأعمال المتنفذين، الا ان قوة الفساد الذي يملك أغلبية في جميع الحكومات، وله رجاله الذين يمررون ما يحتاجه من قوانين لصالحه داخل قبة البرلمان، إضافة الى الادارة التي تتصرف تحت إمرته، كل ذلك جعل أمر محاربته ليس بالأمر الهين، مما جعل رئيس الحكومة السابق الأستاذ عبد الاله بنكيران يصرح ذات يوم بأن “الفساد هو الذي يحاربني”.
ومن أمثلة زواج المال والسلطة بالمغرب، والذي أنتج منظومة فساد يصعب محاربتها، نذكر ما يلي، على سبيل المثال لا الحصر:
1- لوبي شركات المحروقات الذي يتزعمه عضو في الحكومة ووزير فوق العادة ورئيس حزب جيء به على عجل ليرأس حكومة 2021. هذا اللوبي، بالرغم من كشف تقرير اللجنة البرلمانية حول المحروقات لفساد منظومة أسعار المحروقات من خلال المبالغ المالية التي استولت عليها الشركات بدون وجه حق، إلا أن تعامل البرلمان والحكومة على السواء مع قضية الفساد هاته لا يعدو أن يكون سجالات ودعاية سياسية لا غير.
كما أن هذا اللوبي الذي يملك سيطرة قوية على البرلمان والحكومة، قد مارس ضغوطات قوية على منهجية إعداد تقرير المهمة الاستطلاعية، حيث تم إخراجه بالتوافق بين الأعضاء على حساب الحقيقة الكاملة، بعد أن تم سحب الصيغة الأولى الكاشفة وتعويضها بنسخة متوازنة. وعند مناقشة التقرير النهائي، على علاته ونقائصه، لم يتخذ البرلمان أية إجراءات قانونية، كاستجواب الوزير المعني بالملف، وبالتالي نفي الثقة في قدرة الدولة بمؤسساتها المختلفة وفي مقدمتها البرلمان على مواجهة الفساد.
ولم تقف ضغوطات لوبي المحروقات على هذا الحد، بل تجاوزت ذلك الى ممارسة الابتزاز لمنع اية مجاولة لإصلاح قطاع المحروقات، او فتحه امام المنافسة. وكمثال لذلك ما شاهدناه في جلسة الأسئلة الشفهية ليوم الاثنين 22 يونيو، عندما انتفض برلماني من حزب الأحرار (حزب مول المازوت) في وجه وزير الطاقة والمعادن، منتقدا اقدام الوزارة على بعض الإصلاحات في قطاع المحروقات.
هذه الشجاعة التي يمتلكها لوبي المحروقات في عرقلة كل محاولة تمس مصالحهم، ولو على حساب المواطن، لم يكن ليمتلكها لولا توفره على حزب يملك كتلة برلمانية وله أعضاء في الحكومة، هم الذين يقررون في كل شيء، فيحصل بذلك تضارب في المصالح واستغلال بشع لموقع المسؤولية في التمكين للمصالح الشخصية للوبيات على حساب الصالح العام.
2- التهرب الضريبي من خلال استغلال بعض الملزمين بالضريبة من أرباب شركات ومعامل للثغرات القانونية الموجودة في المنظومة القانونية الجبائية، كما هو الحال بالنسبة لوزير سابق لم يؤد ضرائب على معمل يديره بشكل سري، هذا السلوك لم يكن ليقدم عليه لولا احساسه بالأمان من إدارة تتستر عليه، وحصانة اكتسبها من علاقاته المتشابكة والمتشعبة. وكمثال على ذلك أيضا نسخ أو تغيير مواد من قانون المالية على المقاس، كما فعل وزير مالية سابق، عندما مرر مادة من قانون المالية حتى يستفيد صديقه من إعفاءات ضريبية بالملايير من عائدات بيع شركته. وهذا الامتياز غير القانوني لم يكن ليحصل عليه لولا وجود إدارة ملية سهلت له الامر، وأعضاء في الحكومة لهم القدرة على حذف أو تغيير او إضافة مواد من قوانين على المقاس.
هذا غيض من فيض من جرائم التهرب الضريبي _ ان جاز تسميتها بالجرائم_ والتي تكلف خزينة الدولة ملايير الدراهم وتكلف الاقتصاد الوطني خسائر فادحة.
كما ان المثالين المذكورين عن زواج المال والسلطة ليسا الوحيدين، والا فهناك جرائم كبيرة كالرشاوى واختلاس المال العام والاحتكار والغش في الصفقات وما الى ذلك، وكلها مظاهر تنخر جسد المجتمع وتسبب له ضعفا وتراجعا على جميع الأصعدة السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وكل ذلك بسبب الزواج غير الشرعي بين أصحاب السلطة وبين لوبي المال والأعمال المتنفذ في المجتمع.







تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.