الأحد 19 مايو 2019| آخر تحديث 7:28 03/11



فضــيـل يكتب : كفى من « تاراعايت » و حذار من « أكديمءيزيك » جديدة بمنطقة أربعاء الساحل

فضــيـل يكتب : كفى من « تاراعايت » و حذار من « أكديمءيزيك  » جديدة بمنطقة أربعاء الساحل

” تاراعايت”    أو   ” تاراعيت” مصطلح أدمج في القاموس الامازغي و يعني ” الفوضى” عندما يتعلق الامر بالراشدين. له مرادف يستعمل خصيصا للأطفال يسمى ” تادوايت”  بتشديد الواو بخلاف

” تادوايت ” بتشديد حرف الدال و الذي يعني المحبرة.

وهكذا نقول عن الطفل الفوضوي او المشاغب: ” بوتدوايت”  و نسمي الفوضوي الراشد ب

” بوتراعايتاو ” بوتراعيت”.

و نقول عن الراشد الذي يمارس الفوضى : ” ءيسالاتاراعيت”. وعندما نريد نهي احدهم عناستعمال الفوضى نقول له:

” تاراعيتءوهو” .

 

سياق هذا الكلام هو، من جهة، الأحداث الخطيرة التي تعرفها منطقة أربعاء الساحل بإقليم تيزنيتهذه الايام جراءاستباحة ممتلكات و أعراض و ارواح الساكنة من طرف عصابات للرعاة الرحل ، الشيء الذي ينبئ باندلاع فتنة خطيرة قد تأتي ، لا قدر الله،  على ما تبقى من الحجر و البشر بعد أن قضى الجفاف و الرعاة على الأخضر و اليابس من العشب و الشجر.

من جهة اخرى ارتأيت اثارة الموضوع بعد المغالطات التي روج لها و يروج لها البعض حول اسباب اندلاع هذه المواجهات و قبلها بمناطق أخرى سواء في سوس او الحوز و عبدة،  وعلاقة  كل ذلك بالقانون  13.113 الخاص بتنظيم الترحال الرعوي و تدبير المجالات الرعوية، ومحاولة تحميل مسؤولية ما يقع لجهة معينة في اطار تصفية حسابات سياسية  ضيقة  .

وقبل الخوض قي سياقات و مآلات الأحداث الخطيرة هذه ، اريد العودة الى مصطلح ” تاراعيت” و ما يحمله من معاني و دلالات قد تساعدنا على استجلاء جزء من حقيقة الموضوع.

خلال نهاية ثمانينيات القرن الماضي و بحكم عملي بمنطقة اربعاء الساحل، كانت لي علاقة صداقة وطيدة مع شخص معروف كثيرا لدى ساكنة  هذه المنطقة من جيلي، توفي رحمه الله قبل بضع سنوات و كان قيد حياته حارسا للغابة” بوغابة”،  يسمى ” أحمد. ه ” و كان مشهورا بترديده لكلمة ” تاراعيت”. كلما  التقيته  يستقبلك بابتسامته المعهودة و يبادر بتقديم التحية بالقول:

مانزاكين ؟ لاباس دارك؟ مانزانتاراعيت؟؟….  الى ان لقب ب ” حماد بوتراعيت”.

ذات يوم سألته ما السر في هذه الكلمة  و لماذا يرددها دائما ، قال لي: تاراعيت مصطلح  اصله عربي مشتق من كلمة” رعى – يرعى- رعيا”  و لها علاقة بالفوضى التي يحدثها الرعاة الرحل بالمجال الغابوي و هو ما يسبب له متاعب مهنية و مشاكل شخصية  كثيرة.

أصل الكلمة و معناها الدلالي و المعجمي و الصرفي ليست  لي الصفة و لا القدرة العلمية لتحديدها، ولن ادعي ان ما اسر لي به صديقي صحيح ،  و يعود ذلك الى الباحثين في الدراسات الانتربولوجية و اللسانيات و علم الاجتماع. ما يهمنا هي ظاهرة الرعي في حد ذاتها و المشاكل  المرتبطة بها.

الرعي و الترحال كما هو معلوم ظاهرتان اجتماعيتان ملازمتان للإنسان عبر التاريخ و تتحكم فيهما عوامل عدة منها  الظروف المناخية  و السياسية و الاقتصادية و الاجتماعية.

وقد عرفت منطقة سوس هذه الظاهرة مند القدم و يصطلح عليها” تايسا” و هي نظام جماعي للتعاون في مجال رعاية الأبقار و المواشي  بالتناوب ، تحكمها أعراف و قوانين صارمة يتم الاتفاق عليها من طرف القبيلة في اطار ديمقراطي و يسهر على تنفيذها أعيان القبيلة أو” انفلاس” في حالة ما اذا كان هناك تجاوز أ و انتهاك لهذه الاعراف.وكانت المواجهات كذلك قديمة بين السكان المقيمين و الرعاة الرحل  القادمين من “الشرك” و الاقاليم الجنوبية لكن يتم تطويقها  قبل ان تتطور،اما بتدخل  أفراد القبيلة لردع المعتدين او بتدخل السلطة. ومما يؤكد تلك المواجهات  العبارة التي يتم استعمالها الى يومنا هذا وهي: ” ءور كيك مايْكَاتن ءاجنكالءولامايتاسينءاولك نس” OUR GUIK  MAYKKATN AJNKAL OULA MAYTASSINE  AWLK ENESS  ومعناها: ” ليست لك القدرة على ردع المعتدي  و لا أخد  قربته” . و تقال عن الانسان الجبان.

ما الذي وقع اذن حتى اصبحت ” تاراعايت” هذه  تأخذ أبعادا خطيرة تنذر بنشوب فتنة خطيرة؟؟؟؟؟

للإجابة عن هذا التساؤل اقتبس عبارة للمرحوم المهدي المنجرة حين سئل   ابان حرب الخليج الثانية  عن رأيه فيما اصطلح عيه آنذاك  ” النظام العالمي الجديد” فأجاب رحمه الله :” انها فوضى جديدة منظمة”  .

ما يقع اذن في منطقة أربعاء الساحل هي ” تاراعايتمقورن” أو فوضى منظمة” وراءها عاملان اساسيان  من العوامل السالفة الذكر و التي قلنا بأنها تتحكم في ظاهرتي الرعي و الترحال.

العامل الآول اقتصادي و الثاني سياسي و جيو سياسي و هو الأخطر.

1-ففي المجال الاقتصادي ، ساهمت الاوضاع الناجمة عن  النزاع المفتعل في اقاليم الصحراء المغربية  في بروز أغنياء الحرب عبر ممارسة انشطة  اقتصادية مختلفة  مدرة لأموال ضخمة  منها ما هو شرعي و منها  ما هو غير شرعي . وقطاع تربية الماشية بأنواعها  كان و لا يزال يعتبر تخصص  سكان المناطق الصحراوية.

في الآونة الأخيرة و بعد المجهودات الجبارة التي انجزت في مجال تثمين و تسويق منتجات ” اركان” فتحت شهية الرعاة اكبر و اصبحوا  يتسابقون على احتلال مناطق سوس و ذلك من اجل جمع اكبر كمية  ممكنة من  ثمار الاركان و اعادة بيعها  بعد ان وصل ثمنها الى مستويات  قياسية  محليا ووطنيا و دوليا.

2- العامل الثاني الذي ساهم في تأجيج الوضع هو عامل سياسي بامتياز و يتداخل فيه ماهو سياسي داخلي و ما هوجيوسياسي  خارجي  يشتركان في وحدة  الخصم و الهدف .  وقد عبر الصحفي  عبد الله بوشطارت عن ذلك  في تعليقه على الاحداث الاخيرة حيث قال:” خيوط الازمة ممتدة في السياسة و الصراع الحزبي و كذلك تعقيداته تتجاوز الحدود و ترتبط بتحولات الصراع في الجزائر التي لن يفهمها أحد، و تعقيدات التهريب و الصراعات البين حدودية و أشياء أخرى”.

اضافة الى ما أورده الأخ عبد الله بوشطارت ، هناك  معطيات اخرى  تفرض نفسها بقوة وتتجلى فيما يلي:

  • تجديد اتفاق الصيد البحري بين المغرب و الاتحاد الأوروبي و اعتراف هذا الاخير للمغرب بسيادته على مياه الاقاليم الجنوبية والدور الذي لعبه السيد وزير الفلاحة  و الصيد البحري و فريقه المفاوض لإفشال مناورات خصوم الوحدة الترابية للمغرب في هذا المجال.
  • الانتكاسة الاخرى المتمثلة في ادماج أقاليم الصحراء ضمن خريطة المغرب التي تشملها المساعدات المنصوص عليها في مشروع الميزانية الامريكية و هو ما يشكل ضربة قوية للطرح الانفصالي.
  • التغيير المفاجئ الذي طرأ على الموقف السعودي من قضية وحدتنا الترابية بعد رفض السلطات المغربية  استقبال ولي العهد  السعودي ، و قبل ذلك التزام المغرب موقف الحياد في الحصار الذي فرضته دول الخليج  على قطر.

هذه كلها أمور لا يمكن ان تمر دون ردود افعال من طرف الخصوم و من يقف وراءهم. وسيتم تجنيد كل الطاقات لإثارة البلبلة و القلاقل و تنفيذ مخططات تخريبية داخل العمق المغربي بعدما لم تعد هذه الاساليب تجدي نفعا في الاقاليم الجنوبية كما كان الشأن في السابق. و هنا قد يلجأ الماسكون بخيوط اللعبة الى توظيف عناصر مخربة ليست بالضرورة من سكان الصحراء . و هو ما اكدته الاحداث الأخيرة حيث اقر بعض الشهود أن من بين المهاجمين في أحداث الساحل  شباب لا علاقة لهم بساكنة الصحراء و يرجح ان يكونوا استقدموا من أقاليم مجاورة مقابل اموال و اغراءات نظير الاعمال الاجرامية التي يرتكبونها ( كتابات على جدران المؤسسات التعليمية  تمجد الكيان الوهمي-  تسميم و قتل الماشية و الصاق التهم بالسكان المقيمين…).

وقد سبق ان نبه احد الصحفيين المعروفين عالميا بأن المغرب سيعاني كثيرا  من ردة فعل السلطات السعودية  ، و اعتقد ان ما يقع الآن ما هو  الا بداية لمخططات جهنمية تستلزم تقوية الجبهة الداخليةو اتخاذ ما يلزم من اجراءات وقائية و زجرية للحد من مكائد الخصوم.

مكائد  و مخططات الخصوم الاجانب تتناغم  مع  مخططات الخصوم الساسيين لرئيس حزب التجمع الوطني  الاحرار ، باعتباره و زيراالفلاحة ، الذين جندوا كعادتهم كتائبهم  و مريديهم لقصف السيد عزيز اخنوش و نشر المغالطات حول مسؤولية  قانون 113.13   عما يقع من أحداث.

فكيف لقانون لم يتم تنزيله بعد  ان يكون سببا فيما يقع من احتقان؟ او بعبارة الاستاذ عبد الله غازي: كيف لوصفة الدواء ان تكون هي السبب في المرض؟؟

الى جانب الجدال الذي رافق قانون المراعي ونشر المغالطات حوله ، و عوض الاسهام في فتح نقاش جدي  حول الجدوى من هذا القانون، قام نواب برلمانيون من فريق العدالة و التنمية  بالمجلسين بزيارة تفقدية لمنطقة اربعاء الساحل ” لتكوينصورة عن الوضع”  بعد الاحداث الاخيرة .

لن نبخس  عمل السادة  البرلمانيين المحترمين   و لن نستكثر عليهم القيام بأعمال تدخل في  صلب اختصاصهم، لكن هناك عدة اسئلة تحتاج الى توضيح.

  • ما الذي يمنع الفريق البرلماني للعدالة و التنمية ذو الأغلبية بالبرلمان من تشكيل لجنة تحقيق  لها كامل الامكانيات و الصلاحيات لبلورة صيغ عملية و اقتراح حلول ممكنة و مستدامة للمشكل؟
  • لماذا لم يفتح الحزب نقاشا حول قانون المراعي و يساهم في اجلاء الحقيقة عنه عوض الركون الى الصمت  وتشجيع كتائبه على نشر معطيات مغلوطة تساهم في تأجيج الوضع؟
  • الا يمكن اعتبار تحرك البرلمانيين محاولة للركوب على الاحداث في محاولة لتحويل الانظار عن المأزق  الخطير الذي يوجد فيه ملف الاساتذة المتعاقدين و الذين تركوا مقرات عملهم  مكرهين لمدة اسبوع قابلة للتمديد تاركين ابناء الشعب من المغرب العميق في ضياع  ؟
  • لماذا لم ينزل البرلمانيين الى الشارع عندما تعرض الاساتذة موظفو  الاكاديميات الى التعنيف ؟

أسئلة  كثيرة من شأن الإجابة عنها توضيح الوجه الخفي لعملة البرلمانيين الذين تنقلوا الى منطقة اربعاء الساحل.

السياسة ميدان للتنافس الشريف لخدمة الصالح العام  عبر برامج  واقعية تروم النهوض بالواقع المعيشي  لنسبة كبيرة من ساكنة المغرب . اما البروباكاندا  فقد ابانت التجارب   في كثير من الأحيان عن محدوديتها  ، بل بالعكس تعود في غالب الاحيان بنتائج معكوسة. ولقد ابانت احداث ” اكديمءيزيك ” الاليمة ان بعض السياسيين يساهمون بتصرفاتهم  في تفاقم المشكل و ليس حله  حتى و ان كان ذلك عن حسن نية.

خلاصة القول ، أعود الى صديقي” أحمد  ه ”  او بوتراعايت رحمة الله عليه ،  عندما يكون في حالة مزاجية متوترة و يناديه احدهم باللقب المعتاد ” بوتراعايت” يجيب رحمه الله : ءوراحتتوجيم”  يعني لم تدعوالنا هذه الفوضى.

أقول للسادة البرلمانيين:” يوداكن ح تراعيت” كفى من الفوضى. و اقول لأجهزة الدولة حذار من “اكديمئيزيك”  جديدة بمنطقة الساحل.

  محمد فضيل

 

 

============================================================

ملاحظة : إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي هيئة تحرير جريدة تيزبريس وإنما تعبّر عن رأي صاحبها.

 








تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.