الخميس 25 أبريل 2019| آخر تحديث 7:27 01/18



آكال آد إزوارن ..La terre d’abord

آكال آد إزوارن ..La terre d’abord

تقول الرواية: إنه في تلك اللحظة التي تغرق فيها سفينة “آر إم إس التايتانيك” الإنجليزية الضخمة بعد اصطدامها بجبل جليدي عرض الأطلسي، صاح قبطان السفينة في الركاب: “Ladies First” / السيدات أولا!، من أجل إنقاذ الحاضن الأول للمجتمع من جهة، ولعدم كفاية قوارب النجاة التي وفرها صانعو السفينة، لثقتهم المفرطة في قدرتها على النجاة من عباب اليم المتلاطمة، فكان ما كان من بقية القصة الشهيرة، وتصير فيما بعد ذلك عبارة “السيدات أولا” إتيكيتا في أدبيات المجاملات المجتمعية.
نحن أيضا، وصلنا زمنا نقول فيه بإتكيت مفعم بأبجديات الحوار والترافع عن قضايانا: “La terre d’abord”/ الأرض أولا/ أكال أد إزوارن، لتنبيه القائمين على الترافع والتداول حول مجمل الإشكالات المعروضة في واجهة “تمازيرت” إلى أولى الأولويات التي وجب الانتباه إليها حالا، وإلا سنصير أمام إفراغ كلي أو جزئي لمختلف الخطوات المتخذة من محتواها ومقصدها الحقيقي، فتتشتت الجهود، وتتراكم الملفات والإشكالات على شكل قضايا عصية على الحل.
إن الجمعيات والفعاليات التي سبق وانخرطت في هذه الدينامية الجديدة، ونحت منحى الحوار مع الأطراف الحكومية والمسؤولين الإداريين والترابيين يلزمها ترتيب الأولويات والقطع مع الشتات الذي تعيش على وقعه، حتى لا نعود مجددا لنقطة الصفر كما حصل في محطات سابقة.
ففي مختلف الأنشطة الثقافية والترافعية التي أقدمت عليها (الجمعيات-التنسيقيات-الفعاليات-…)، لوحظ اختلاف بين في التوجهات، وبعض غبش في الرؤية والمقصد. ذلك أن المتتبع يحسب الأمر لأول وهلة تفريغا للديناميات من محتواها، وتشظيا للهيئات الراعية لها، ما بين احتفالات فولكلورية محدودة، وأشكال نضالية مناسباتية، دون أن يفضي ذلك إلى نتائج ملموسة مع الماسكين بتلابيب ملف الأرض.
ورغم هذا، علينا أن نعترف لهذه المبادرات بأهميتها في التنبيه للمشاكل الكبيرة التي تعيش على وقعها “تمازيرت” عموما، والتي تنصب جميعها في مصب واحد يدعى (الأرض)، وما عدا ذلك يضل مجرد أعراض ستختفي حين تشفى هذه الأرض من معضلتها الأساسية، وأقصد هنا الكثير من اللغط الذي يثار حول (الإحاشات الجماعية للخنزير البري- بعض الزوابع الافتراضية التي تطرح عند مناقشة الآثار البيئية لمشاريع التعدين- القنص العشوائي-…)، لتظل بهذا عبارة “أكال أد إزوارن” قاعدة ملازمة لنا مهما بلغنا من النقاش والجدل..
***********
لقد أبانت الحوارات والاجتماعات التي دشنت في الآونة الأخيرة حول “الأرض” بداية مشجعة ومفرحة لوضعها كرمز أصيل ممتد في التاريخ والثقافة والوعي الجمعي، ففهمت كافة الأطراف على ما يبدو أن الأرض ليست مجرد حفنة تراب هجرها/سيهجرها أهلها إلى غير رجعة، ولكنها أكبر من ذلك بكثير.
وربما تنبهت الإدارة الوصية على الملف إلى هذا المعطى، فسارعت لفتح قنوات الحوار، وهذا مهم جدا لتدارك الزمن المهدور في تكريس واقع الأخطاء التي رافقت عمليات التحديد (على المستويين المسطري الإجرائي، ودستورية الترسانة القانونية المعتمدة لإحلاله).
ورغم إصرار الإدارة على التبريرات الثلاث كأسطوانة سمعناها منذ بروز هذا الملف على السطح، والتي تتوزع ما بين “التسوية الحبية”، و”سيناريو التنازع القضائي”، وذريعة “المحافظة على الثروة الحيوانية والنباتية”، إلا أنها من المحتمل جدا أن تقتنع قبل غيرها بضعف هذه الحجج من زوايا ثلاث:
-الأولى، أن في التسوية الحبية بعض غبش، ودليل ذلك، أنني مثلا، لو ترك لي الأجداد بقعة أرضية تعاهدوها بالرعاية، واستغلوها زراعيا قرونا من الزمن، قبل أن تصنف فجأة ك”ملك غابوي” بترسانة قانونية لم تبرز إلا مع العقد الثاني في القرن الماضي، واشتدت حدة ذلك مع بداية الألفية الحالية، من البدهي أنها لي أنا، بالاستمرار والحيازة المفضية للملك الصحيح..، وبكل أشكال الحجج والبراهين القانونية والطبيعية. والذي يدعي العكس وينوي تملكها أو مشاركتي في ذلك هو من يتحمل عبء الإثبات في هذه الحالة قبل أي خطوة يصار إليها لعقد تسوية حبية.
-أما الدعوة لإحالة الملفات المتنازع عليها على القضاء كتعرضات لها ما يدعمها، فأمر لا يستساغ، ذلك أن الإجراءات والمساطر العقارية جد معقدة، بله العقار غير المحفظ. والمتقاضي العادي والبسيط، لا نتوقع معه أن يتردد بين ردهات المحاكم، يرهق فيها بكثرة الصوائر التي تكلفه إياها الدعاوى القضائية، وبشكل يجنح معها نحو تفضيل عدم اللجوء إلى هذه الصيغة وإن تحقق الضرر البين والواضح.
وأما “المحافظة على الثروة الحيوانية والغابوية”، فمعروف عن ساكنة العالم القروي أن لها أعرافا في تدبير مزارعها وثرواتها، وكل طرف لا يرتضي أبدا أن تقطع أشجاره أو تتلف مزارعه أو تنتهك حرمة الحيوانات التي تعتاش فيها، وهذا بطبيعة الحال ما يفسر الصراعات التي تتجدد مع رعاة الرعي والقنص الجائرين وكل استغلال ينحو هذا الاتجاه.
إنني في النهاية لا بد أن أهنئ كافة الأطراف (منتخبون-جمعويون-ممثلو الإدارة- السلطات المختصة..)، جلوسهم إلى طاولة الحوار لبحث حلول مشاكل اكتوينا بها كثيرا، بما يفسر الفهم العميق لمسألة (الأرض) لدى ساكنة “تمازيرت”، والاستعداد الواضح -على ما يبدو- لتسوية هذا الملف، والحد من الزمن المهدور الذي شغلنا عن آفاق تنموية عريضة .

ذ.أحمد إضصالح 

 

 

ملاحظة : إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي هيئة تحرير جريدة تيزبريس وإنما تعبّر عن رأي صاحبها.






تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.