الإثنين 22 يوليو 2024| آخر تحديث 5:54 05/14



في طبيعة المعركة بالساحة التلمذية

في طبيعة المعركة بالساحة التلمذية

يعد القيام بتوضيح حقيقة معركة معينة و طبيعتها من الأمور المهمة و اللبنات الأولى التي تمكن من  استيعاب الخصوم و المتغيرات و الثوابت بغية النجاح في نهاية المطاف في كسب نتيجة المعركة  ، و لكون الساحة التلمذية هي الأخرى تشهد معركة شرسة قطب رحاها هو التلميذ و هو المستهدف فيها كان لزاما فتح النقاش حول  طبيعة المعركة فيها  و حول التحديات القائمة بباحات المؤسسات التعليمية و حول الآمال المعقودة على التلميذ .

1/ معركة ضد التخلف العلمي و التقني :

إن المدرسة هي المحضن الأول للمعرفة و المعقل الأول الذي تتلقف فيه الأجيال العلوم ، فإذا فشلت المدرسة في أداء رسالتها المعرفية خابت الآمال منذ البداية في الوصول إلى مجتمع المعرفة المنشود . لذلك كان ، انطلاقا من حث الدعوة الإسلامية على طلب العلم و لو في الصين !، على حملتها أن يجاهدوا لدعوة التلاميذ للاهتمام بالمعرفة على الأقل في المدرسة . إن جهود الحركة الإسلامية يجب أن تنصب في هذا الإطار، المعرفة الحقيقية أولا .. أن لا تكف أنشطتها التلمذية عن الدعوة إلى التفوق المعرفي و الاقتدار العلمي في كل المجالات .

إن المعرفة الحقيقية طريق الحضارة و الدليل إليها، و الدعوة الإسلامية كان لزاما عليها أن تستلهم من تاريخ الحضارة الإسلامية الدروس و العبر خصوصا في مرحلتها الثانية : مرحلة ” العقل” حسب ترتيب مالك بن نبي لمراحل الحضارة.

إن المستوى العلمي لتلامذتنا لا يبشر بخير بل يدعونا إلى مساءلة حول مشاريع محاربة الأمية ! .و كما قال أحد الباحثين: “والواقع الذي لا يمكن إنكاره، يعتبر خير شاهد إدانة مستمر لمستوى الطلاب والتلاميذ، بما تنتجه الجامعات والمدارس في الغالب من شخصيات مهزوزة فارغة من العلم، أمية أو شبه متعلمة، بعيدة عن التفكير والاجتهاد والتبصر بالنتائج والاعتبار بالعواقب، لا تتقن سوى المطالب والتنظير، والمطالبة بالحقوق والتفنن في إهمال الواجبات، وكما أن المطالبة بالحق حق، فإهمال الواجب باطل.”(1)

2/ معركة ضد اللاوعي الهوياتي و القومي( الإسلامي)  :

من جهة أخرى ، تعد معركة محاربة القيم الاستهلاكية النفعية المادية التي غزت صفوف المجتمع المسلم ومنه التلميذ من أشرس المعارك و أشدها ضراوة تلك التي تخوضها الدعوة الإسلامية ؛ فاللامبالاة التي تطبع نفسية التلميذ الحالي و عدم الاكتراث بهموم الوطن سواء الصغير و الكبير بل عدم الوعي أحيانا بها . علاوة على الهرولة إلى مسكنات و مخدرات في قالبيها المادي ( و هي المعروفة : الحشيش ، الهروين .. السجارة )   و المعنوي ( الأغاني التي تكرس اللامعنى و اللاقيمة ) للهروب من تحديات الواقع و ما يفرضه من كدح متواصل و عمل دؤوب .مصداقا لقوله تعالى : { يَا أيها الإنسان إنك كادح إلى ربك كدحا فملاقيه } .  ( سورة الانشقاق: 6 ). إن المخدرات بنوعيها يجب أن تحارب من طرف الدعوة الإسلامية من منظور مخالف للتصورات الوضعية التي لا تنفك في طرحها تناقش أعراض المرض و المشكل و بالتالي فهي ضمنيا تدعو إلى التطبيع معها.

قلت ، إن هذه المعركة مُحَددة بالنسبة لمصير المعارك الأخرى ، فإذا نجحت الدعوة في أن تحسس التلاميذ بهويتهم و انتمائهم فإنه آنذاك بعد أن يعرف التلميذ ذاته سيسعى لإثباتها على المستوى المعرفي و سينأى بشكل تلقائي عن الانحلال الأخلاقي.

3/ معركة ضد الانحلال الأخلاقي :

انطلاقا  من حديث الرسول صلى الله عليه و سلم: ” كل أمتي معافى إلا المجاهرون” ، يتبين مدى خطورة الفسق المشتهر أي الفجور الذي يسود وسط التلاميذ في المؤسسات التعليمية داخلها و خارجها . فالمجاهرة بمعصية الله تعالى هي كالمرض المعدي السهل الانتشار المدمر لمناعة الجسم. و الأمر المهول في الأمر  ، هو اعتبار هذا الانحلال الأخلاقي أمرا واقعا لا مفر من التطبيع معه بل وصم كل من تسول له نفسه إنكاره و لو بأضعف الإيمان : أي القلب – بشتى نعوت التزمت و العُقد و عدم الواقعية و الرجعية و الماضوية .. و لا يخفى أن أعداء الأمة يراهنون منذ مدة على الجبهة الأخلاقية في تطويعها لأنها آخر قلعة تحتمي بها .

من هنا معركة الدعوة الإسلامية في الساحة التلمذية على المستوى الأخلاقي تبتدئ من محاولة إعادة ترميم ذلك السد المنيع و الحصن الحصين أمام كل أنواع الشذوذ و ذلك الحس النقدي تجاه كل منكر ( المبدأ الأصيل في الإسلام: الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر) . الذي ما فتئ المصطفى صلى الله عليه و سلم يؤكد عليه بل يعتبر كل فاقد مجتمع فاقد لذلك الحس مجتمعا ميتا .و من ذلك : اعتبار معاكسة التلميذات من طرف التلاميذ رذيلة ليس دونها رذيلة و أن التبرج و العري و السفور فتنة كبيرة … هذا الحس النقدي إذا تُوُفر لدى التلميذ فهو من الأهمية بمكان بالنسبة للدعوة الإسلامية سواء على المستوى القريب أو البعيد: حين يصبح هؤلاء التلاميذ هم رجال الغد و نساؤه و من ثَم يكون المجتمع نظيفا و سد منيعا أمام النزعات التحللية و التفسيخية.

4/ معركة ضد الثقافات المترهلة السائدة حاليا :

إن الدعوة الإسلامية يجب أن تعلنها مرة أخرى : حرب لا هوادة فيها مع هذه الثقافات التافهة الضيقة الأفق السائدة في الساحة التلمذية ، حرب ضد :

– ثقافة “الانهزام” : و تسود هذه الثقافة غالبا لدى بعض التلاميذ الذي يصنفون ضمن خانة” المثقفين” قياسا لمنسوب الثقافة لدى التلاميذ بصفة عامة.هؤلاء التلاميذ ثقافتهم المحدودة لا تتجاوز محتوى الكراسات و المقررات الدراسية  مع بعض ” الخربشات” هنا و هناك من الأنترنت أو التلفاز أو الشارع . هذه الفئة من التلاميذ مستواها الدراسي ما بين مستحسن إلى الحسن ( أو أكثر ، لكن النسبة الغالبة هي ما تم ذكره ) إلا أنها فئة مهمة من التلاميذ و أغلب الظن أن تكون الفئة الثانية بعد جماعة ” المنحلين و ضحايا مشاريع الانحلال” ، حديث أغلبية تلاميذ هذه الفئة مبني على انطباعات شخصية و تحليلات فردية للواقع و المستقبل و العلاقة مع الغرب ..على العموم هي  فئة تستحق من الدعوة الإسلامية كل الانتباه و الاستهداف باعتبارها الفئة الوحيدة من التلاميذ التي تناقش ” نقاش بسيط” و لديها حس وطني .و المقصود ب”ثقافة الانهزام” : الاستسلام للأمر الواقع أي اعتبار حالة الركود  و التخلف الحضاري الذي تعيشه أمتنا حالة لا مفر من التطبيع  معها و لا جدوى وراء محاولات إصلاحها  بالإضافة إلى  الانبهار بالآخر ” الغرب” ..

– ثقافة “الانسحاب” : هذه الثقافة أو بالأحرى هذا السلوك – سلوك الانسحاب- مستفحل بشكل كبير في أو

ساط التلاميذ الملتزمين سواء المتدينين تدينا عاديا ( تدين اجتماعي ) أو المتدينين تدينا” حركيا” نسبة إلى أبناء الحركات الإسلامية . في الحقيقة هذا الاسم ” الحركي” لا ينطبق على مسماه : أي تدين التلاميذ من أبناء الحركات الإسلامية ؛ فال

حركية بما تحمله من حمولات ثقيلة كالإيجابية و الرسالية و الفاعلية قلما نجدها في تدين التلاميذ من أبناء الحركات الإسلامية . فالانعزال و الانسحاب من المعركة و الساحة هي السمة التي تطبع سلوك هؤلاء التلاميذ ، حتى المخالطة إن وُجدت تكون مخال

طة سلبية أو طريقا للذوبان في بوتقة الأوضاع الكارثية السائدة في المؤسسات التعليمية  .
– ثقافة “اللامبالاة” :هي الثقافة التي تغزو المؤسسات التعليمية بشكل كبير ، هي ثقافة مقرونة بالانحلال الأخلاقي  و الفشل الدراسي،   أصحابها لا يكترثون بعوائلهم و لا وطنهم و لا أمتهم .باختصار لا يبالون بأي شيء عدا شهواتهم الهابطة و مظاهرهم الفجة .

(1) عبد الكريم القيلالي .مقال : الطالب و التلميذ و دورهما في فشل التربية و التعليم .( موقعه الالكتروني) .

http://ayoub-bouakhaden.blogspot.com/