الإثنين 22 يوليو 2024| آخر تحديث 8:52 04/23



وياكم من الرشوة

وياكم من الرشوة
بهدف تخليق الحياة العامة وجعل المرفق العمومي ملبيا للأغراض الادارية للمرتفقين دون اية عراقيل ،عرف الفضاء السمعي البصري الوطني 
فقرة اعلانية تحت عنوان” وياكم من الرشوة” ولتدقيق المصدر فهي صادرة باسم رئيس الحكومة .  تأتي هذه الفقرة في اطار الحملات التحسيسية ضد الرشوة هذا المرض الاجتماعي الاداري الذي ينهب جيوب المواطنين لكون الخدمة الادارية السليمة حقا من حقوقهم كما أنه يفقر خزينة الدولة على اعتبار تلك الاموال غير خاضعة للضرائب.
الى حدود هذه السطور يتساءل القارئ الكريم عن جديد هذا المقال على اعتبار ما ذكر متفق عليه بالإجماع عدا بالطبع من يهمهم الامر. 
ان المتأمل للفقرة التحسيسية يسجل ملاحظات أهمها : الصورة والفضاء – الخطاب و المخاطب.
أولا الصورة و الفضاء:
 بالرغم من اختلاف فضاء التصوير إلا ان المشهد يبقى موحدا في هذه الفقرات التحسيسية،انه فضاء المرفق الاداري حيث يضجر المواطنون من الانتظار حاملين رزما من الوثائق والملفات. وفي الطرف الاخر يظهر موظف واحد امامه عرمرم من الاوراق يعمل في مكتب قليل الاضاءة على محياه علامات الملل و التعب وغير محلق الدقن .
 يبدو من خلال هذه الصورة السوداء أن هدف واضعيها هو بالدرجة الاولى بيان سوداوية ظاهرة الرشوة إلا أن قراءتنا لها تقف عند اسباب الظاهرة، هذه الاسباب الغير مصرح بها بسبب التهرب من المسؤولية الحقة ولعدم مسك المرض من منبعه. فقلة الاضاءة في المكتب دليل على انعدام ابسط الظروف الصحية للعمل حيث يتحول هذا المكان الى ثلاجة شتاء وفران صيفا مما يجعل المردودية نسبية ان لم نقل منعدمة.
  كما يمكن ان يعزى الكلل من الانتظار الى وسائل العمل وما يصاحبها من اعطاب تقنية. 
ما يبدو على محيا الموظف مرده احواله المادية والاجتماعية والمهنية التي لم تتغير على الرغم من تغيير الانظمة الديكتاتورية.
ان اختزال سوداوية الظاهرة في شخص الموظف اجحاف و ظلم في حقه ولعل في ذلك تصفية للحسابات مع اصحاب عقود الازدياد.
فضاء الرشوة غير مقتصر على الموظف الاداري وهو ما تؤكده كاميرات القناصة بالصوة و الصورة ناهيك عن الرشاوي على مستوى الصفقات العمومية والتي نلمسها في ضعف وهشاشة المشاريع المنجزة .
ثانيا: الخطاب و المخاطب: 
يبدو الخطاب المصاحب للصورة خطاب احاديا موجها لطرف دون الاخر في حين ان المسؤولية في الرشوة مشتركة بين معط واخذ .
تحمل العبارة “وياكم من الرشوة” صيغة الجمع لخطاب المواطنين اذ ان توقيتها يصادف نية المرتشين في الارتشاء:”دهن السيل اسيل”.
ما اغفلته الوصلة التحسيسية هو كون المواطن مساهما رئيسيا في انتشار الظاهرة،اذ يستغل الظروف المتدهورة للموظف للحصول على شواهد مزورة ووثائق غير قانونية.
     بخصوص مضمون الخطاب استرعى انتباهنا اغفال الوازع الديني في هذه الوصلة ،فحديثه صلى الله عليه وسلم :”لعن الله الراشي و المرتشي “مرجع هام في بيان المسؤولين عن الظاهرة، لينضاف بعد ذلك من كان سببا في تدبير امور هؤلاء.
مرجعتنا الدينية تفرض استحضار موقف الاسلام من الظاهرة (اللعنة)مع موقف الاحكام التنظيمية والزجرية في الموضوع.
  صاحبت الوصلة الاشهارية،ملصقات في الاماكن و الادارات العمومية تحمل نفس العبارة  “وياكم من الرشوة “وهي العبارة التي علق عليها احد المواطنين متهكما وياكم من الرشوة واش القليلة اولا الكثيرة؟
 تساؤل عميق وهادف يعطي قيمة وجدوى هذه الحملات التحسيسية المتكررة ،والتي لم تغير من الواقع المعاش اي شيء،و لكي لا نوصف بالعدميين او المنتقدين السلبيين فمحاربة الرشوة لن تتم الا باعتماد مقاربتين متوازيتين اجرائيا :
الأولى: _ تحسين الظروف الاجتماعية و المادية للموظفين وذلك بتمتيعهم بالحقوق التي تكفل الاستقرار النفسي 
         _ جودة الظروف المهنية: الفضاء، وسائل العمل ،التكوين المستمر،توفير الموارد البشرية…  
         _  تبسيط مساطر الحصول على الوثائق ومن ذلك استغلال خدمة الانترنيت. 
الثانية: التعامل الصارم و الحازم والعادل مع كل محاولة رشوة او ارتشاء وفق القوانين المعمول بها، وضمان الحماية اللازمة لكل عملية تبليغ            عن الرشوة .
بوالصابون الحسين –  تيزنيت