الإثنين 22 يوليو 2024| آخر تحديث 11:56 03/18



10 سنوات على”عراق” ما بعد أضحية العيد

10 سنوات على”عراق” ما بعد أضحية العيد

عقارب الساعة تشير إلى الثامنة صباحا بتوقيت غرينيتش.. جرس المؤسسة يدق إيذانا بوصول حصة مادة التربية البدنية التي نهواها من أعماق قلوبنا، فحين يكون الأستاذ مصابا بالملل جراء شرح قواعد كرة اليد أو الوثب الطويل يرمي لنا بكرتين للقدم، إذ ذاك نكاد نطير من الفرح، فريقين في ملعب الإسمنت وآخرين في ملعب ترابي، يومها لا أدري ما أصاب العالم، لقد كنت من متتبعي السياسات العالمية رغم صغر السن على محطة ال”بي بي سي” البريطانية أو “دوتشيفيلي” الألمانية وفي بعض الاحيان أسترق النظر نحو الجزيرة القطرية متى سنحت فرصة ذلك. كان لي مذياع كبير أركب له سلكا طويلا بين الفينة والأخرى أعاتبه في نفسي لأن المحطة الإذاعية المراد تشغيلها تجيء وتذهب إيذانا بسوء الضبط دون مراعاة لمشاعري الصغيرة.
   في ذلك الصباح المشؤوم لم استمتع بحصة مادة التربية البدنية ولم أستمع لمحطات الإذاعة المفضلة لأن الأيام أيام دراسة وشغل. إنها مجرد كلمة لَفظ بها أحد الأصحاب قائلا: “هجمت أمريكا على العراق”. لقد وقع أخيرا ما كنت أخاف. أخذت قلما فنقشت على غلاف أحد الدفاتر: “20 مارس 2003: غزو العراق” قبل أن أستبدل ملابسي العادية ببذلة مادة التربية البدنية.
   من تتبع الأحداث يجد أن عشر سنوات عجاف مرت على ذلك الحدث الأليم الذي سطرته البشرية بقلوب غليظة سيذكرها التاريخ في أرشيف مزابله الضخمة التي لا تقاس إلى جانب ملفات الأعمال الصالحة لفائدة جنسنا البشري، سقطت على إثره حضارة بدعوى بسيطة خرجت من فم شخص مهووس بامتصاص دماء المسلمين مشرقا ومغربا ودُبرت بليل بتحالف مع مختلف قوى الاستكبار العالمي التي نصبت نفسها في هذا الزمان حكَما بين الشعوب ملهية مواطنيها بمواضيع ومصطلحات غامضة عُدم تحديدها لحد الساعة، وعلى رأسها ما أخذ به العراق على حين غرة: “أسلحة الدمار الشامل” كبديل لعبارة “أسلحة النفط الشاملة” التي تُسيل لعاب صانعي السياسات العالمية .
   لهذا السبب تم تدمير حضارة إنسانية على أرض العراق بإتلاف المدخرات الفنية والثقافية وفي مقدمتها: “170000 قطعة أثرية” من المتحف الوطني العراقي حسب ما أفادت به الإحصاءات الرسمية، وبعدها تم تسليم العراق الجريح لدولة إيران الشيعية في طبق من ذهب بعد أن تم القضاء على الذين ينصبون لها العداء من الجيران الأفغان بتهمة تفجيرات الحادي عشر من سبتمبر.. مسكين أيها المواطن الأفغاني، إنهم لم يتمعنوا جيدا في لباسك وفي شظف عيشك حتى يقتنعوا يقينا انك لا تستطيع إذ ذاك حتى إنقاذ نفسك من بطش الجوع والعطش وويلات الحروب الأهلية التي يعاني منها البلد صباح مساء. لكنهم يريدون حجة كما في حرب العراق للقضاء على الحضارة الأفغانية وبعدها تم صناعة شخص يدعى “أسامة بن لادن” والقضاء عليه بعد جهد جهيد ثم رمي جثته في البحر!!، إنها حكاية خيالية إن قيلت للصغير لما صدقها لكنها انطلت ببساطة على الشعب الأمريكي المسكين الذي يدفع من جيوبه لصالح أهداف سطرها المتحكمون في صناعة القرار العالمي فأنسته مشكل البطالة وخطورتها والأزمة الاقتصادية التي يعاني منها العالم برمته.
   مرت عشر سنوات على التقتيل والتنكيل والدمار الشامل للمحافظات العراقية إذ تم استهداف كل ما يدب على  الأرض مرفوقا بالسب والشتم بلغة الشارع الأمريكي وإهانة لإنسانية الإنسان في سجن أبو غريب وخارجه دون حسيب أو رقيب. آنذاك اطمأنت أمريكا وحلفاءها لتقرير البعثة الدولية التي تنبش في دهاليز العراق علها تقع على  رائحة لما يصطلح عليه “أسلحة الدمار الشامل”. إنها غلطة بسيطة أو قل مجرد زلة لسان راح ضحيتها أزيد من مائة ألف شهيد عراقي والعديد من أبناء الغزاة وأهدرت فيها أموال وأموال وجرحى ويتامى وثكلى ومفقودون واللائحة تطول.
   ألقي القبض على “صدام حسن” المطلوب الأول في ذلك الوقت وعرض على محاكمة تناقلت وقائعها وسائل الإعلام العالمية لتبيان النفاق الديموقراطي . إنه الشخص الذي صنعته أمريكا يوما فلم تفرط في جعله بطلا تهابه “القضاة” المساكين الذين يريدون تسطير تاريخهم بالحكم على رجل حكم العراق بين سنتي 1979 حتى حدود 2003م، لما عثر عليه أخيرا في عملية ما سمي ب”الفجر الأحمر” ليصفه صاحبه بعد ذلك “معمر القذافي” ب”القديس”. استهزأت بكلامه آنذاك، لكن اليوم بانت الحقيقة. لقد مات الأول بشجاعة وحوله عصابة ملثمون ترتعد فرائصهم من المجهول ليلة عيد الأضحى المبارك الموافق 30 دجنبر 2006 وآخر كلماته الشهادتان، ومات الثاني عريانا في فلاة متوسلا بعد أن ثار عليه شعبه جراء الاستبداد السياسي المفرط المصاحب لمرض جنون العظمة.
   مات صدام. هُربت الأموال. ضُخ ثاني احتياطي من النفط نحو الغزاة. سُرقت المتاحف والآثار. طُمست هوية العراق الحضارية والتاريخية لا لشيء إلا لفلتة لسان. فجثم بعد هذا على قلوب العراقيين من يسومهم الظلم والفتن والتقتيل بتواطؤ مع أمريكا وإيران الصديقتين رغم مسرحيات الأسلحة النووية التي انطلت فصولها على الكثيرين وعلى رأسهم دول الخليج التي ما زالت تتودد لأمريكا وتجود عليها بأراضيها وبخيراتها التي حباها الله بها حين دعا إبراهيم عليه السلام قائلا: (رب اجعل هذا البلد آمنا وارزق اهله من الثمرات) لتتقي شر الدولة الجار.
   كان “صدام” إذن أضحية عيد لكن ذلك لم يشفع للعراقيين المساكين الذين يعانون ويلات الذبح والتنكيل صباح مساء وتكالب الأعداء وخيانة الأدعياء فصار كمن تتقاذفه الأمواج إلى غير رجعة. إنها حكاية حضارة قضت عليها قوى الاستكبار العالمي يوما حتى لا تترك لها فرصة النجاة نحو بر الأمان. فصعدت الحناجر اليوم بعد مضي عشر سنوات مطالبة بأدنى شروط العيش الكريم، بل وبإسقاط نظام صنعه المحتل حتى حين. لكن تقلبات الدهر لا يأمن منها العاقل. فقد قيل قديما:
ستبدي لك الأيام ما كنت جاهلا  ويأتيك بالأخبار من لم تزود

بقلم: احمد اضصالح