الإثنين 22 يوليو 2024| آخر تحديث 11:33 03/17



تحرر فكري.. الجزء الأول

تحرر فكري.. الجزء الأول

إن المتأمل في واقع الأمة الإسلامية ببعد ونظر, سيدرك أن الكثير و الكثير من الأمور تحتاج منا إلى وقفة وإعادة النظر.ليس كلاما فلسفيا ولا تحليلا سياسيا بل واقع مر تتكبده الأمة الإسلامية برمتها, ويكون ضحيتها الفكر المنفتح و المتحرر من قيود المذهبية.  – نعم أدري ما أقول وسيتضح المقال أكثر بعد هذه المقدمات -.إن الدين الإسلامي متين وصنعة علومه رزينة تحتاج إلى طول مراس,لما للعلم من هيبة, فالمتعامل معه لا يتعامل مع نصوص فلسفية مجردة يفسرها كما يحلو له, وينسجها على مقاييسه,.بل هو تعامل مع وحي رباني إلهي من تحمل عبأه  فليرعه حق الرعاية , وليعلم أن نصف العلم قول لا أعلم!!ربما لم نصل بعد إلى ما نريد, ومازال الكلام غامضا غير واضح المعالم, ولا يعلم من السائل و لا من المجيب بالله أعلم؟
   لا ثم لا … لا تستعجل فإن الأمر خطير,وخطبه عظيم, يهمك كما يهمني, ولذا أريد منك أخي القارئ أن تتجاوب معه بقلبك قبل عينك وبحسك قبل جسدك.
   إن ما تدعو إليه بعض الجماعات الإسلامية إلى التعلق بأقوال الأشخاص وتقديسها – إما بشكل مباشر أو غير مباشر- لهي الخطر الأكبر الذي يتهدد الحياة العلمية و روحها ومناهجها المبنية على الحوار الفكري و التلاقح المعرفي , وقد فقدت هذه الروح العلمية مع الأسف في واقع الأمة الإسلامية.
   والمتتبع للتاريخ المذاهب الإسلامية سيرى العجب العجاب من تجاوب الأئمة مع غيرهم, ولو كانوا مخالفين في هدوء علمي راق, يعبر عن وعي أخلاقي, فكان المالكي يحاور الشافعي, والحنفي يحاور الحنبلي, و الأشعري يناضر المعتزلي بأدب المناظرة,  وكل لا يقدس رأيه وإنما قاعدتهم المحكمة ومبدؤهم, أن ما عندي خطأ يحتمل الصواب وما عندك صواب يحتمل الخطأ.
  ولكننا نأسف أشد الأسف أن حصل انقلاب في الموازين وصار “شافعي آخر الزمان” لا يطيق أن يحاور “المالكي” ولا أن يجالسه على طاولة النقاش الحوار,بل يطعن فيه بالليل والنهار, كأن الله سلطه عليه, وينسى أو يتناسى أن الشافعي كان من تلامذة مالك رضي الله عنهما جميعا.
  فأين جئتم بهذا الفهم الضيق؟؟ ضيقتم على أنفسكم حتى ضاقت بكم الدنيا بما رحبت, هذا مالك – رحمه الله تعالى – يقول كلاما وددت لو حبرته بماء الذهب: “كل يؤخذ من قوله ويرد إلا صاحب هذا القبر”و أشار إلى قبر النبي صلى الله عليه وسلم, عجيب هذا مالك إمام المدينة ينطق بهذا الكلام!! وقد رددها من بعده الأئمة الأعلام ,لرجاحة عقلهم وصفاء سريرتهم, ويأتي متأخر في القرن الواحد والعشرين!,ويقول بأن كل ما ينطق به حق و حق …لا يقبل الخطأ و صواب لا ينتظر التصويب من أحد ,وينسى أن أدب العلم وفضله قول العالم قولي صحيح,لأنه إن قال بأن قوله حق فضمنيا قد حكم على رأي مخالفه بالبطلان,لأن الحق يقابله الباطل , والحق واحد لا يتعدد, وإنما الذي يحتمل التعدد, هو طرق الوصول إلى هذا الحق ,آنذاك تختلف المسالك, ولولا أن النصوص الشرعية القطعية التي أخبرت الأمة بأن لا نبي بعد محمد عليه الصلاة والسلام لقيل للذي ادعى أن معه الحق رسول معصوم بعد النبي وللزمت الصلاة عليه عند ذكره.
   و رجوعا إلى العنوان “تحرر فكري”, لقد كنا في سابق أمرنا ومنذ أن فتحنا أعيننا على حياة الالتزام, قد وهبنا عقولنا في طابق من ذهب لمشايخنا يفعلون بها ما يشاءون,وصرنا عبيدا لهم,ولا نقبل قولا إلا ما يصدر من أفواههم, وهذا ما يمكن أن ننعته “بالتصوف السلفي”!! ونفس الأمر نجده عند الطرقيين والمتصوفة مكبلون أمام مشايخهم فالقول قولهم و الحكم حكمهم,و أنت بين أيديهم كالميت يفعلون بك ما يشاءون.
  وموضع الإشكال الذي كثيرا ما تزل فيه الأقلام,أن فهم النصوص الشرعية سواءا من الكتاب أو السنة, لم يجمعه الله على لسان رجل واحد, بل من حكمته أن جعله متحمل الدلالة حتى يستوعب أفهاما وأفهاما, قد قسمها الله على عباده كل آخذ نصيبه من فهم ذلك النص,والذي يستنكره هذا العبد الضعيف على هذه الجماعات, هو عدم مراعاة الخلاف بين المذاهب واعتبار المذهب المالكي آخر ما يلتجأ إليه عند النزاع والخلاف,و كأن المالكية لا حظ لهم يذكر من العلم,وكأنهم بنوا مذهبهم على اللاشيء إن صح التعبير!؟.اعلم أن المذهب المالكي أسس على قواعد وأصول علمية متينة لا يستطيعها من لم يُحصل النصاب من العلم والباع الكثير من علوم الآلة و كذا أصول الفقه, و إن حصل القرآن وشيئا من الحديث, تنقصه ملكة القياس و بعد النظر و الترجيع وعلم باللغة و ناسخ القرآن ومنسوخه و فنون علم الحديث وعلم بأسباب النزول…إلى غيرها من الأدوات الوسائلية, مع اعتبار فقه المآلات والموازنات, ومراعاة فقه الواقع وحسن التنزيل الذي كان يبدو واضحا جليا في اجتهادات الصحابة فتجد في المسألة الواحدة أقوالا وأفهاما, وربما يسأل الجاهل ولماذا اختلفوا؟لقد اختلفوا من أجلك, و بحكمة أراد بها الله أن يرفع الحرج عن هذه الأمة, ولكي لا يسد باب الاجتهاد,ولكي لا يحصر العلم والحق على لسان رجل واحد, وأن لا تُلزم الأمة بالقول الواحد لأن الطبائع و القدرات تختلف من شخص لآخر, فمن الطبيعي أن تختلف الأحكام حسب أحوال المكلفين, ومن العجيب أيضا أن يظهر بالأمة الإسلامية في أزمنة الانحطاط العلمي والمعرفي – نسأل الله أن يصلح أحوال المسلمين – من يرد على قول مالك و ابن القاسم والليث… وغيرهم من أئمة العلم وجهابذته وحملته إلينا, دون اعتبار ودقة نظر في أصولهم التي اعتمدوها في الترجيح , ودون علم بأن نظر المحدث إلى الدليل الشرعي ليس هو نظر الفقيه أو الأصولي,لأن غاية المحدث هي استفراغ جهده في تصحيح الحديث أو تضعيفه وبيان علله ودراسته رواية ودراية وبحثه متنا وسندا, وعند هذا ينتهي نظره, أما الفقيه و الأصولي فغايته هي الوصول إلى فهم النص الشرعي بعد ضبطه للدليل والعارض والحمل, فحمل المحدث ليس هو حمل الفقيه فكل,يحسن صنعته ويتقنها, هذه المسائل يجب أن تكون عندنا من المسلمات, كي لا نظلم الفقهاء وحتى لا نتهمهم بعدم أخذهم بالدليل,ونسفه جهودهم في بلوغ معنى النص, ويجب أن ننزل كلا من الفقيه و الأصولي والمحدث منازلهم ,وكلهم لا يختلف في القطعيات, فلا يمكن مثلا و لا يتصور عقلا,أن يأتي فقيه ويقول بأن عدد ركعات الظهر خمس؟!!فلا يعتبر قوله ولا يلتفت إليه وهذا ما لم يقل به أحد, لما فيه من مخالفة ظاهرة للنص الشرعي القطعي التبوث والدلالة, والطامة الكبرى أنك تجد بعضهم يرد قول الخلف بالسلف!!! ولقد أثرعن بعضهم أنه ذكر له في المجلس قول ملك فقال :نعم لقد ذكره “ابن عاصم في تحفته”فاحتج بقول اللاحق  على السابق!!, وهذا التناقض هو الذي تتمرغ فيه الأمة اليوم, لضعف أصولها فيجب أن نراجح أصولنا ونعاود فيها النظر, وفي مناهج التعامل مع النص الشرعي, ولو كان صحيح المأخذ قطعي الثبوت, فقد يكون محتمل الدلالة, وإن كان كذلك فلا يحسم فيه بمجرد التعريف اللغوي للفظ, فرب مصطلح سيقتضي من العالم الورع المجتهد المتحري الصواب, مراجعة جميع كتب الفقه و اللغة!!فالكل يدعي وصلا بليلي وليلى لا تقر لهم بذاك,فالكل يدعي نسبة رأيه إلى الكتاب والسنة بفهم سلف الأمة, أريني هذا الفهم أين هو؟؟ أصل له ؟؟كيف سنؤطره ونضبطه؟؟ ولا تطلقه هكذا, يجب أن نكون شيئا ما واقعيين و بعيدا عن الإيديولوجيات و الخلفيات المهلكة للأمة!! ففد صار اصطلاحا واسعا تتجاذبه الجماعات الإسلامية و تمططه كيف تشاء بحسب أهوائها!!,وصار شعارا لبعضها.
   أرى أن الحل الوحيد لتخطي هذا التخبط الذي وقعت فيه الأمة حتى غدت لا تفهم نفسها بنفسها,و توجهاتها غير واضحة أمامها:فكان لزاما عليها أن تراجع نفسها في مراعاة خلاف المذاهب الإسلامية والتأدب مع الآراء المخالفة, ثم أن لا تظن أنها تحتكر الحق في يدها, وأن الله قد أجرى الحق على لسانها,فهذا ما لا يمكن أن يقبله عقل ولا أن يتبثه نقل, و مثل هذا لم يدعِهِ أحد من العلماء و لا من الفقهاء في العصر الذهبي العباسي الذي ازدهر فيه الفقه,وبرع فيه نوابغ العلم, بل يمكن أن نسوق نماذج من العهد النبوي, ومع صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد اختلفوا رضوان الله عليهم في مسائل عدة,فأقر الرسول صلى الله عليه وسلم كلا منهم, و لم ينكر على أحد  – وواقعة بني قريضة لا تخفى عليكم – فأي قضية تعرض للناس فإن الله يقذف نصيبا من العلم و الفهم في قلب كل عالم, فيهديه فهمه إلى ما وهب له,فيقول ربما يكون هذا مراد الله,فيستحسن اجتهاده بنفسه, فكل مريد للخير و بلوغ الحق وخدمة الدين,والكتاب والسنة,وإرضاء الله,فهؤلاء الفقهاء لا يشتغلون خارج نطاق الدليل, ولم يثبت ذلك عنهم,ثم إن فقهاء المالكية – وهذه القضية كثيرا ما يغيبها الناس – عرفوا بالاحتياط الشديد وخصوصا في مسائل العبادات,وكذا في مسائل الطلاق فكانوا يأخذون بالأحوط ويتشددون فيه, ليبرّّؤوا ذمتهم و ليحتاطوا لدينهم – وأنا أسأل ويحق لي أن أسأل:أهناك عالم من علماء المالكية الذين عرفوا بسيرهم الحميدة على مر العصور والأزمان, وشهد لهم بالعلم ,ورحل إليهم القاص والباد, بشهادات الرجال حتى خلد الله ذكرهم بين أهالي إفريقية والأندلس والمغرب, فهل منهم يا من تدعون الانتساب إلى السلف من يجتهد دون أدوات المجتهد التي كانوا يتشددون فيها , ويجتهدون في تحصيلها,وضبطها ومن لم تتم إجازته,فإنه لا تُسلم له آنذاك منابر الإفتاء أبدا, بل حتى من عرف برزانته وغزارة علمه, كان يتورع ويهب الإفتاء لأنه توقيع عن الله, و لهذا سمى إمام زمانه – شيخ الإسلام الثاني بعد “بن تيمية”- كتابه بإعلام الموقعين,هؤلاء هم العلماء الربانيين لا كما نشاهد في واقعنا,تجرأ الناس على الفتوى, فوقَّعوا عن رب العالمين بغير علم فضلوا وأضلوا!!؟ فتسمع بعضهم يقول في مسألة فيها خلاف وكبير سعة : هذا حكم الله و يريد أن يحسم الخلاف فيها على لسانه,و يلزم الناس برأيه, وهذا مستحيل وفيه حيف في حق مسيرة العلم الشرعي و في فروعه بالأساس,و عندهم معضلة أنهم في بعض الأحيان يُسألون عن مسائل كبرى, فمن شدة ما جبلوا عليه من سرعة البداهةٍ في الإفتاء!! فإنك تجد جوابا جاهزا في دقيقة أو دقيقتين, يشفي الغليل!!! ولو سئل مالك عن نفس المسألة, لراجعها أسبوعا كاملا أو يزيد ,وقد تبت في الأثر أنه سئل عن أربعين مسألة فأجاب عن أربعة و قال في ستة وثلاثين لا أعلم, وهو إمام المدينة كما بشر به النبي صلى الله عليه وسلم, فو الله و بالله و تالله إنه لأصبح من العيب كل العيب عند بعض من ينتسبون للدعوة, أن يقول الشيخ في المجلس أمام طلبته أو على قناة فضائية “لا أعلم”!! فهذا المصطلح الذي يدل على فقه العالم و كفاءته- و كما قيل هو نصف العلم – قد تم إلغاؤه من قاموسهم المعرفي – عياذا بالله – فتغيرت الأحوال بعد أن كان العالم فيما مضى يحرر الفتوى بخط يده للسائل أياما بلياليها, وربما تستغرق منه المسألة الواحدة الشهور بعد الشهور, والمتأخرون أصيبوا بعقدة في ألسنتهم فأفتوا على جميع ما يعرضهم عليهم من قضايا ونوازل بيجوز و لا يجوز؟!!, كأنهم أوتوا جوامع الكلم دون استفسار للسائل عن حاله وظروفه و دون أن يراعى في الفتوى فقه التنزيل و الموازنات !! فيا له من فهم أجوف جرد النصوص من روحها ومعانيه, وضيق حدودها بالحجج الواهية ,وبالإيرادات  الخاطئة.وهذا التعجرف في الفهم,كان نتيجة تغييب المصطلح الأصولي في دراسة النص الشرعي وتكييفه مع الواقع.
                                                                                                 الكاتب : محمد أمين إدحيمود